زيارات الىى كردستان العراق




ي ربوع بلاد الرافدين العليا

ايار عام 2011

افرام عيسى يوسف


المؤتمر العالمي الثاني حول الدراسات الكردية


انعقد المؤتمر العالمي الثاني حول الدراسات الكردية (Kurdologie )  ما بين الأول والثالث من شهر أيار 2011 في جامعة دهوك، في كردستان العراق.
 وقد شاركتُ فيه، وألقيتُ في اليوم الأول محاضرة عن أهمية اللغة الآرامية. وقد تطرقت على اللغة الآرامية القديمة والآرامية السريانية والآرامية الحديثة "السورث" وهي اللغة التي يتحدث بها  الشعب الكلداني السرياني الأشوري الذي يعيش في المنطقة وفي مختلف أنحاء العراق وضرورة تطويرها لتأخذ مكانها اللائق في الإقليم.
وقد ترأس المؤتمر بصورة مشتركة كل من رئس المعهد الكردي  في باريس الأستاذ كندال نيزان ورئيس جامعة دهوك، السيد عصمت خالد. حضر المؤتمر عدة شخصيات، كان من بينهم السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، دلاور علاء الدين والسيد وزير التربية صافين دزائي. وقد استمع بانتباه عدد بلغ ستمائة شخص من الأساتذة والعلماء والكتاب إلى المداخلات وشاركوا في النقاشات.
وتم تحديد موعد انعقاد المؤتمر القادم بعد خمس سنوات، كما تم تبني عدة قرارات لصالح الدراسات والبحوث المرتبطة باللغة الكردية (الكردولوجيا). وفي اليوم الأخير من المؤتمر، قام قسم من الوفد القادم من الغرب بزيارة إلى بلدة "مانكيش" الكلدانية والى مدينة العمادية الرائعة بصحبة أسقف العمادية المطران ربان القس.

بعد انتهاء أعمال المؤتمر، قمتُ بزيارة مدينة عقرة، برفقة الأستاذ نزار عقراوي وقائمقام المدينة ومدير المعهد الفني. ولقد عبرّت عن إعجابي ببيوت هذه المدينة الجذابة المعلقة بالجبل وبشلالها البديع وآثارها الرائعة وببساتينها الزاهرة. وتوجهت لإطلاع على كلية التربية الجديدة وتحاورت مع الطلاب الجامعيين، كما زرت المدرسة الثانوية المهنية وهنأت مديرها على العمل الجميل المنجز فيها. وقبل مغادرة المدينة توجها نحو مطعم لأكل وجبة من رزّ عقرة الشهير وتلذذ بسماقها المعروف .

اكتشاف مواقع اشورية هامة

وفي تلك الأيام، ألقيت محاضرة في مدينة دهوك، في المركز الثقافي الآشوري "بالسورث" اللغة الآرامية الحديثة، عن مجمل مؤلفاتي وحضرها عدد كبير من مثقفي المدينة.

وبناءً على أمنيتي، قام المركز الأشوري مشكورا، بتنظيم زيارة إلى الأماكن الهامة للتراث الآشوري الواقعة في محافظة دهوك ور ، ورافقني بعض أعضائه وهم: ملكو عوديشو وأزريا ادم وحنان أوشيا فتوجهنا مباشرة نحوى القناة المحفورة في منطقة جروانا من قبل الملك سنحاريب (704-681 قبل الميلاد)، لجلب مياه نهر كومل إلى داخل مدينة نينوى. ثم قصدنا لاكتشاف موقع خنس المذهل بلوحاته البارزة المنقوشة في الصخرة المهيمنة على نهر الكوميل . وفي الختام سرنا باتجاه موقع معلتاي حيث تظهر اللوحات الصخرية البارزة لإلهة آشور على ظهر تماثيلها الحيوانية الرمزية الرائعة.
( هذه الزيارة للآثار تكون موضوع مقال خاص )

زيارتي للمراكز الثقافية في زاخو

سكنتُ بمدينة زاخو اعتبارا من 4 و 20 أيار 2011 من شهر أيار وأقمت فيها لدى شقيقي أبو سلام.
     أحببتُ المدينة كثيرا في تلك الفترة، نظرا للطبيعة الربيعية الخلابة فيها ولجمال منظرها الخضراء المزركش بالزهور الجميلة. يتجاوز عدد سكان المدينة 200000 شخص من الكرد ومن الشعب الكلداني السرياني الأشوري الذي يتعايش فيها بسلام وبروح التسامح. ويزدهر الاقتصاد فيها اليوم وكذلك تطورت الثقافة  وبدأت تتقدم في ربوعها الواسعة.
 وسررتُ جدا بالجلوس تحت أقواس جسر دلال الأثري الشهير ووجدته بان كوارث الزمن أنهكت قواه لكن عمرة المديد قد أعطى له هالة من الجلال.  وشاهدتُ شركة تقوم بترميمه وتمنيت لها النجاح لأنه رمز مدينة زاخو.
     قمت بزيارة المراكز الثقافية المنتشرة في المدينة وفي ضواحيها لإبداء آرائي وملاحظاتي الهادفة إلى تطوير هذه المراكز.
  
 جامعة زاخو، تم تتويج مدينة زاخو بتاج العلم، وذلك بافتتاح جامعة فيها بتاريخ 12 تموز 2010 وهي تحتوي على 12 قسم يعمل فيها 180 أستاذ جامعي ويرتادها 2556 طالب. وقد ألقيت محاضرتي في هذه الجامعة الوليدة بحضور رئيسها وجمع من الأساتذة والطلاب، حول ذكريات طفولتي في مدينة زاخو وفي منطقتها خلال سنوات الخمسينات والستينات. تلك الذكريات المستوحاة من كتابي الأول المعنون "عطور الصبا في سناط ". ووجدت هذه الجامعة في عزّ نموها حيث بدات بانشأء كليات مختلفة، كما يجري تشييد حرم جامعي فيها اليوم لسكن الطلاب.
 المركز الثقافي، تم تأسيس المركز الثقافي لزاخو بتاريخ 31 آذار 1998. وهو يقع في مركز المدينة، ويرحب خلال أيام الأسبوع بالكتاب والشعراء والمفكرين والفنانين بكافة اتجاهاتهم ومعتقداتهم. وهو ينظّم محاضرات أدبية وفنية مختلفة. وقد شعرت بفرح كبير عند دعوتي إليه حيث ألقيت محاضرة في ربوعه. كان موضوع المحاضرة : "كيفية تنمية وتطوير الثقافة في زاخو". وقد اقترحت في محاضرتي هذه، إنشاء أسبوع ثقافي، حيث يتم فيه تكريس يوم لكتاب وآخر للشعراء  ويوم ثالث للرسامين والنحاتين  الخ ...  وبالإمكان أيضا تكريس يوم ربيعي يتم تخصيصه إلى الموسيقى والرقص الشعبي والفولكلور الإقليمي. ويتمثل اقتراح آخر قدمته إلى المركز في تنظيم معرض سنوي للكتب يمكن للناشرين والكتاب أن يعرفوا من خلاله مؤلفاتهم ويعرضوها في أركانه.
قصر الثقافة،  زرت قصر الثقافة الرائع الذي تم افتتاحه مؤخرا في زاخو والذي يحتوي على قاعة للمؤتمرات وللمعارض والتي تحوي ثمان مائة مكان والمجهزة بكافة الوسائل الحديثة المخصصة لإقامة المؤتمرات والمنتديات وبمكتبة واسعة وصالونات للمعارض. وقد سررت باللقاء بمديره الشاب الذي يرغب جعل هذه المؤسسة معلما ثقافيا رفيع المستوى.
مكتبة زاخو، قبل بضعة أيام من وصولي ولشديد الأسف، فاضت مياه نهر الخابور بارتفاع وصل إلى متر واحد أدى إلى إغراق مكتبة زاخو العريقة والتي تحتوي على عدد كبير من الكتب الثمينة باللغات العربية والكردية وبلغات أخرى والغنية بمختلف أنواع الصحف والمجلات. وتعرض عدد كبير من المؤلفات إلى التلف. وقد اقترحت أثناء لقاءاتي التالية مع السلطات  المحلية والإقليمية، إعادة تشييد مكتبة جديدة في قلب المدينة، وتأخذ دور الثقافي والرائد.
 مركز عشتار للثقافة والفنون، زرت أيضا في مدينة زاخو المركز المسيحي "عشتار" للثقافة والفنون الذي تم تدشينه بتاريخ 10 تشرين الأول 2010 والذي يتبع إلى وزارة الثقافة. يدير المركز الأستاذ أمين عيسى السناطي.  أعد باللغة الآرامية برنامج محاضرات ومعارض مختلفة لإقامتها في المركز.

زيارة مراكز ثقافية في  قرية ليفو ودركار وبيرسفي
قرية ليفو المحبوبة، وفي اليوم التالي توجهت وبفرح وبهجة لاكتشاف المركز الثقافي والرياضي لقرية ليفو الكلدانية الواقعة على مسافة خمسة عشر كيلومترا من مدينة زاخو. وكان رئيس المركز شامل ادور وعدد من أهالي القرية وأعضاء هذا المركز في انتظاري لدعوتي لرؤية مكتبة  المركز التي منحوا اسمي لها بلطافة رائعة من قبلهم، لا يسعني إلا أن أقدم لهم بهذه المناسبة، جزيل شكري وامتناني.
بلدة  دركار،استلمت دعوة من بلدة داركار، ناحية سندي  التي تتبع لها قرية سناط، مسقط رأسي، حيث زرت المركزها الثقافي والمكتبة. وكان مدير المركز، قد نظم حفلة استقبال كانت بمثابة مفاجأة كبرى بالنسبة لي، إذ سلمني خلالها شهادة "شكر وتقدير"، باعتباري ابن المنطقة الذي يقيم في فرنسا. شكرت إدارة المركز وطاقمها النشيط معتزا بشهادتهم.
قرية بيرسفي العريقة، كانت مصرا على زيارة نادي  زاخوتا الرياضي والثقافي لقرية بيرسيفي التاريخية الواقعة على مسافة عشر كيلومترات من زاخو. وقد رغب رئيس النادي فهمي توما سولاقا وسكان هذه القرية على الترحيب بابن البلد الذي أمثله، حيث قدموا له كعكة كبيرة شارك بتناولها بمودة أخوية مع القرويين الطيبين. قدمت لهم شكري على هذه الحفاوة، ثم قمتُ بزيارة كنيسة القرية العريقة.

رغبتي كانت عارمة لاكتشاف مدينة زعفران الأثرية، كنت قد قرأت عنها كثيرا، لكن لم  أتمكن من زيارتها سابقا والتعرف على مكانها .  لذا طلبت من أستاذ خالد حسين المقيم في زاخو والذي زار الموقع سابقا  بان  يرافقني لاكتشافها . وهكذا قمنا في يوم 19 أيار بزيارة إلى هذه المدينة الأثرية التي تبعد عن زاخو بعشرين كيلومتر، إنها ملتحمة بالجبل الأبيض.هناك آثار للقلعة القديمة وأسوار بارزة وبقايا من دير كبير لرهبان كنيسة المشرق. الموقع مهمل ومتروك تحت رحمة الأقدار. لكن الأشجار والإزهار الموسمية سيدة المكان وتعبق التلال والجبل بعبيرها المنعش.

تلك هي انطباعاتي، عن زيارتي إلى مدينة زاخو ومنطقتها حيث يشعر المرء بنمو الأفاق  الثقافية والأدبية التي تبشر بالكثير من الأمل. لم ارغب مغادرة زاخو قبل اللقاء بالكاتب والمؤرخ المعروف سعيد الحاج صديق الزاخويى والحوار معه حول تاريخ زاخو ورجالها البارزين.

غادرت أخيرا مدينة زاخو للتوجه إلى مدينة أربيل حيث ألقيتُ بتاريخ 21 أيار محاضرة في قاعة متحف الفنون والثقافة السريانية الجميلة في عنكاوا،  إذ تم تنظيمها من قبل مدير العام للثقافة السريانية، الدكتور سعدي المالح. وانصب موضوعها حول : "هوية الفلاسفة السريان وإنجازاتهم". وقد تم توجيه دعوة لعدد بلغ مائة وعشرين شخصية للحضور إلى هذه المحاضرة والمشاركة فيها في النقاش النهائي.

وقد شعرت بسعادة كبيرة بعد عودتي إلى باريس لتمكني من المشاركة في هذه اللقاءات والمحاضرات. وشعرت حقا بوجود رغبة نامية ثقافية وأدبية تجتاز كافة أرجاء المنطقة وتمنح الكثير من الأمل في نموها وتطورها.

افرام عيسى يوسف
باريس 23 حزيران 2011 

***************************************************************************************


2


بداية النهضة الثقافية السريانية في كردستان العراق
زيارة الى الاقليم عام 2006   
 افرام عيسى يوسف


    بمبادرة من المعهد الكردي في باريس و حكومة كردستان الفدرالية في العراق تم عقد المؤتمر "كردلوجيا Kurdologie"الدولي الأول  للدراسات الكردية في أربيل داخل جامعة صلاح الدين، وتمّ ذالك في شهر نوفمبر عام 2006 . دُعيت للمشاركة في هذا المؤتمر وكان لي مداخلة فيه . لقد تناولت الحديث عن سلالتين كرديتين بارزتين ومتسامحتين ،اعني بهما سلالة المروانيين 983 - 1085التي استقرت في ميافرقين وسلالة  من الأيوبيين في أعالي بلاد الرافدين في زمن الملك الاشرف سنة 1237  ابن اخ صلاح الدين .
                           يشير المؤرخون السريان إلى العلاقات الودية التي كانت تسود بين هؤلاء الأمراء وبين المسيحيين السريان ـ اليعاقبة والنساطرة ـ الذين كانوا يقطنون أعالي بلاد ما بين النهرين .

الثقافة السريانية هي نهر من ثقافات العالم

وضع السريان، باعتبارهم  شريحة من ورثة سكان بلاد ما بين النهرين القدامى الفخورين بماضيهم ، رؤية أصيلة للإنسان وللعالم عبر تاريخهم الطويل. لقد استطاع الأطباء والفلاسفة والمترجمون ورجال الدين على مر الأجيال إدامة شعلة المعرفة.  ابدوا تعلقا خاصا بالدراسة وتدريس بلغتهم السريانية.  لذا انشأوا مدارس وجمّعوا معارف ونظموا أشعارا  وتراتيل وكتبوا وقائع  التاريخ و ساهموا بتقدم العلوم والطب والرياضيات والفلك.
ثقافتهم غنية جدا  بغزارة وثائقها ومخطوطاتها وآثارها ومنقوشاتها . انها جزء من حضارات العالم كالحضارة الإغريقية والمصرية . ومن المؤسف أن تكون قلة الوسائل وانعدام الحرية منذ تأسيس العراق سنة 1921 سببا في انحسار الثقافة السريانية وذبولها في بلاد الرافدين.

بوادر  للنهضة في الاقليم

عند قيام حركة القائد الكردي الكبير مصطفى البارزاني سنة 1961 والتي كانت تنادي بالحكم الذاتي ، تم ا فراغ وتدمير العديد من القرى
 المسيحية والكردية في الشمال بأمر من حكومات بغداد،  فاضطر سكانها للهجرة.
عند اندلاع حرب الخليج سنة 1991، انتفض أكراد شمال العراق فطاردهم جيش صدام حسين الى الحدود التركية . فقرر الأمريكان
وحلفاؤهم تخصيص منطقة آمنة في كردستان تشمل محافظة دهوك وأربيل والسليمانية .
ابتدأ الأكراد العراقيون بإدارة أمورهم ذاتيا ومنذ  سنة 1992 بدأوا بتشكيل وزاراتهم.
 وضعت وزارة التربية في الإقليم المناهج والكتب المدرسية اعتبارا من السنة الدراسية 1993-1994
بدأت بعض المدارس في منطقة أربيل تستقبل الطلاب الكلدو آشوريين السريان .وفي منطقة دهوك تم فتح شعبة خاصة لتعليم اللغة السريانية بالإضافة إلى تعليم اللغتين الكردية والعربية . سبع عشرة مدرسة ابتدائية استخدمت السريانية في تدريس جميع المواد، وست أخرى استخدمت الكردية في مناهجها و كانت اللغة السريانية إلزامية ايضا.

منذ سقوط نظام صدام سنة 2003 اكتسبت حركة النهضة انطلاقة جديدة. يقطن في مدن وقرى سهل نينوى عدد كبير من الشعب الكلداني و آشوريين
السرياني الاشوري : في مدن  بخديدا ـ قره قوش ، برطلة ، القوش ، تلكيف ، كرمليس ، تلسقف ، بطناية وقرى أخرى. و ظهرت مراكز ثقافية ومدارس باللغة السريانية فبدأت تنتظم وتعمل في نشر الدراسات السريانية .
 باشر اللغويون بتليف قواميس عربية سريانية وسريانية عربية ، ومعاجم مختصة في مفردات العلوم الحديثة .

يريد الكلدو آشوريون السريان جلب انتباه أولادهم لدراسة العلوم والطب والحقوق والفلسفة والأدب والتاريخ والفن وسلك طريق الحداثة. و في الوقت عينه يرغبون في توعية هذا الجيل الجديد إلى تراثهم الثقافي . هدفهم هو الحفاظ على لغتهم ، السورث ، السريانية الحديثة .
وتبقى السريانية الكلاسيكية لغة الطقوس الدينية ، لغة تُستخدم منذ القدم للاحتفالات الدينية .


الجمعية الثقافية الكلدانية في عنكاوة

بعد اختتام مؤتمر الكوردلوجيا، تركتُ أربيل متوجها إلى مدينة عنكاوة الكلدانية القريبة من أربيل والتي يبلغ عدد سكانها زهاء  35000
نسمة. رغبتُ في زيارة الجمعية الثقافية الكلدانية ، فاكتشفت بناية  جميلة وعلى ثلاثة طوابق . هناك عند المدخل صالة كبيرة مفتوحة للجمهور
 حيث تعرض الجرائد والمجلات الصادرة في العراق وفي كردستان . كان ينتظرني هناك شاب من شباب المدينة ، استقبلني وأصبح يرافقني
 في زيارتي . في الجهة اليمنى من المبنى ، غرفة استقبال واسعة مفروشة بمقاعد مكسوة بقماش القطيفة الأصفر ، وفي صدر الغرفة أبصرت
على الحائط لوحة نسيجية تمثل القائد الكردي الكبير مصطفى البارزاني .
أجلت بنظري في الطابق الأرضي فرأيت في الجهة اليسرى عدة غرف مخصصة لإدارة شؤون المركز.

ثم صعدتُ مع مرافقي إلى الطابق ألأول فأصبحنا أمام غرفة مجهزة بحوالي عشرة أجهزة كومبيوتر . قمت بتحية الشباب والشابات الجالسين أمام شاشات الأجهزة  ووجدتهم منشغلين بطباعة الكتب والمجلات التي تصدر من هذا المركز .
لاحظتُ عند دخولي قاعة المكتبة إحدى الشابات الكلدانيات تحدق فيّ بعينيها السوداويين . دنوت منها وحدّثتها قليلا ، فقامت وقادتني
صوب مكتبة الجمعية ونظرت  الى رفوف الكتب الجميلة المكتوبة بالسريانية والكردية والعربية والانكليزية .
قالت لي بكثير من الفخر والاعتزاز : تصور إننا نملك اليوم 1788 كتابا ولقد وصلتنا كتب جديدة سأقوم بفهرستها . لم يسعني إلا أن اهنّأها
  على عملها وجهدها.
هممتُ مسرعا للدخول في الغرفة المحاذية،  فوجدت نفسي داخل صالة مخصصة للتدريب على التمثيل والموسيقى الشرقية والغربية.
بعد ذلك صعدتُ إلى الطابق الثاني حيث دوائر أخرى تختص بالأرشيف والإدارة.

زرت برفقة صديقنا الشاب مبنى اخر يشمل في طابقه الارضي على قاعة واسعة للاستقبال وللندوات وللمؤتمرات بمساحة 600 مترا مربعا،
  يعلوها سقف جميل مطرز برسوم  فنّ حدياب العريق، انها اجمل صالة في كردستان . ستائرها  مصنوعة من الاقمشة القطيفة وتتسع لـ 700 شخصا  وهي مجهزة بمنظومة التكييف . استخدمت هذه الصالة كمسرح. فعلا لقد تم تقديم عدة عروض فيها، وفي هذا المكان بدأت ولادة جديدة للمسرح السرياني.
اتبعت درجا ينتهى صعودا بمطبخ كبير وصالة طعام فاخرة تخدم موظفي المركز والزوار القادمين اليه .
في الطابق الثاني عند الزاوية البعيدة ، رأيت عمّالا منشغلين بتشييد مبني مكون من ست شقق مخصصة لاقامة المؤلفين والرسامين والفنانين
والصحفيين الذين تدعوهم الجمعية .
لم استطع اطالة التأخر على السيد جلال مرقس ، نائب المدير الذي كان في انتظاري بمكتبه .
 قابلت رجلا في الخمسين من عمره ، متوسط القامة وذا شعر رمادي.
حال جلوسي في مكتبه  اعربت عن اعجابي بجمال هذا الفضاء الثقافي ونظامه المتناسق ، فشكرني على هذا الاطراء .
كان قد وضع امامه على المكتب كتبا عن نشاطات  الجمعية الثقافية الكلدانية في عنكاوة .
ابتدأت بالحديث فسألته :

-        في اية سنة انشئ  هذا الصرح الثقافي؟
-        اجابني جلال مرقس ا ، فتحت هذه الجمعية    ابوابها سنة 1998.
-        فبادرته : من يموّلها ومن يديرها ؟
-        هنا ارتسمت بسمة على محياه وقال :
-                                    وزارة الاقتصاد والمالية في كردستان العراق ،  انه السيد سركيس آغجان . اما عن الادارة ، فان الاتحاد الثقافي الكلداني هو الذي يؤمّنها وهناك عشرة اشخاص لإدارة الجمعية وعشرة آخرون يعملون فيها  .
وتطرقنا الى نواحي اخرى ، فعرفت بان الجمعية تصدر مجلة مكونة من 128 صفحة ، باللغات السريانية والكردية والعربية ، وهي
المجلة الفصلية الصادرة تحت اسم رديا كلدايا . وكما تنشر ايضا جريدة شهرية بعنوان  بيث عنكاوة وهي باللغتين العربية والسريانية .

قبل فترة قصيرة، كانت الجمعية قد قبلت مهمة اصدار الجريدة الكردية الكبيرة ناوه ، والمثير في الموضوع ان الجريدة الكردية كانت قد
خصصت صفحة للغة السريانية، انها بادرة حسنة .
للجمعية ايضا دار نشر صغيرة تحمل اسم العلامة ادي شير، كانت قد اصدرت خمسة عشر كتابا تستهدف النهوض بثقافة الشعب الكلدو آشوري السرياني و في نية المدير انشاء مطبعة تساهم في توسيع دار النشر .
هنا انتقل ذهني  وخيالي الى ايام مطبعة الاباء الدومينيكان في الموصل في العهد العثماني والتي  باشرت عملها كانت سنة 1859 وتم اغلاقها على يد الاتراك سنة 1914 في بداية الحرب العالمية الاولى.  انجزت ونشرت المطبعة 350 كتابا باللغة العربية والسريانية وضعتها في متناول الناس .
شعرت بأنه بعد مرور قرن تقريبا ، هوذا تبدأ مرحلة جديدة للكتّاب والباحثين والصحفيين ، سليلي الشعب الكلدو آشوري السرياني  فبوسع هؤلاء ان يعطوا دفعة جديدة لثقافتهم وتراثهم .
بعدما غادرت غرفة جلال مرقس شاكرا اياه ، نزل المحاسب ومسؤولو النشاط المسرحي ودار النشر ودّعوني بحرارة . كانت كلماتهم الاخيرة  : نرجو بان لا تنسى عنكاوة وجمعيتها الثقافة لدى عودتك الى اضوية باريس .
انتهت زيارتي لعنكاوة ، ولكنها ولّدت لدي قناعة بان هذه المدينة  ستصبح يوما العاصمة الثقافية لشعبنا .

المركز الثقافي الاشوري في دهوك

توجهت الى دهوك ، المدينة الواقعة بين سلسلتي جبال بيخير وشندوخة اللذين يحدّان تركيا وسوريا من الشمال والغرب . يبلغ عدد سكانها
اليوم مع ضواحيها  زهاء000  800نسمة من مسلمين ومسيحيين ويزيديين . هنا في دهوك ارتبطت ذاكرتي بالكاتب السرياني الشهير نرساي 399 ـ 503 الذي ولد في  عين دلبي بالقرب  من معلثاي وهوالذي اسس مدرسة نصيبين الذائعة الصيت التي كانت بمثابة جامعة  ، اليوم معلثاي هي حارة جديدة في المدينة .
وصلتُ الى دهوك بعد الظهر وهممت في البحث عن المكز الثقافي الاشوري الشهير الذي لا ازال اسمع عنه منذ سنوات . انه مبنى كبير
 بنفسجي اللون ، تعلوه ديكور على النظام الاشوري القديم وتزيّنه كتابة سريانية .
عند وصولي استقبلني السيد نيسان ميرزا الذي قد بُلّغ بزيارتي ، فرحب بي مع زملائه في فناء المرك، انه اسمر اللون وطويل القامة يحمل شهادة في الادارة والاقتصاد . بعد تناولي كأس الشاي في مكتبه وقبل ان اتوجه اليه بسؤالي ، شرع يكلمني عن تأسيس هذا الصرح الثقافي فقال :
انه اول مركز ثقافي في المنطقة ، افتتح في 15 آذار 1992 بهدف اعطاء انطلاقة جديدة الى ثقافة شعبنا الكلدو آشوري السرياني والى لغته وتراثه. لذا  اصبح لزاما علينا  ان نرفع رايات  كتّابنا عاليا ونعّرفهم على قوم آخر في المنطقة  ألا وهم الاكراد .
واستطرد قائلا بأنه منذ افتتاح المركز نقوم بتنظيم دورات لتعليم اللغة السريانية وهي مخصصة لطلاب المدارس والكليات وللمعلمين ايضاوهناك دورات خاصة تنتظر الشباب لتدربهم على الكومبيوتر والانترنيت .
كما يقوم المركز بتنظم كل سنة معارض تستهدف اطلاع الزوار على الكتب والأعمال الفنية لفناني شعبنا.  كما يقوم بعض الاساتذة  والمختصين بإلقاء محاضرات للراغبين في اكتشاف  التراث السرياني .
سألت المدير عن الجهة التي تموّل هذه النشاطات الثقافية واللغوية والفنية ، فأجابني بان التمويل  يأتي عن  تبرعات الجماعة الاثورية بدهوك
كما تساهم بذلك  جمعية خيرية آشورية في امريكا .

خرجت مع السيد ميرزا لزيارة المبنى ، فدخلنا الصالة الكبرى المستخدمة لإلقاء المحاضرات وتنظيم المعارض وإقامة الحفلات . وعلمت بان كثير من الاحيان تؤجر الصالة لإقامة حفلات  الزواج ، مما يذخر موردا للمركز . بعد هذا توجهنا الى المكتبة التي تحتوي على اكثر من 1600 كتابا  باللغات السريانية والكردية والعربية والانكليزية ولغات اخرى . ووجدت زوار المكتبة منشغلين بقراءة كتبهم بالرغم من ضآلة الضوء .
همستُ في اذن المدير : سوف يضر هؤلاء بعيونهم لان الاضاءة سيئة ، كما ان المقاعد البلاستكية الزرقاء متواضعة جدا وغير مريحة ،
فردّ عليّ مبتسما : انك محق بذلك ونحن واعون للموضوع ، ولهذا السبب قررنا بناء مكتبة جديدة وسعة ، سينفذ اليها النور من عدد
كبير من الشبابيك الجميلة .
بعد ذلك اراد السيد نيسان ميزا ان يطلعني على مكتب تحرير مجلة   -كوخوا دبيث نهرين ، اعني نجمة ما بين النهرين . تأسست هذه
المجلة سنة 1992 وكانت تظهر بداية كل فصل باللغتين السريانية والعربية  . تصفحتُ عددا من المجلة وهنّأت السيد فريد يعقوب مدير التحرير على التصميم والغلاف الذي من الورق الصقيل والمطرز بصور ملوّنة، وأيضا على ترتيب الصفحات والحروف السريانية الجميلة .
قلتُ له بحماس شديد : فعلا، انكم قد قمتم بعمل رائع .
فأجابني فريد يعقوب : ان خبرة شعبنا طويلة في هذا المجال ، أي اصدار الجرائد والنشرات والمجلات. عام 1849 اصدر آثوريو اورميا في ايران  مجلة ـ زهريرا دبهرا ـ شعاع النور .
وختتاما لزيارتي هذه،  اصطحبني السيد نيسان ميرزا الى دار نشرهم وأطلعني على الكتب الخمسة عشر الصادرة عنها .
قال لي : اننا نتمتع الان بحرية كبيرة ولدينا مشاريع هامة ، وطموحنا الكبير هو اعادة نشر مؤلفات آبائنا التي يجهلها  الناس .
وأردف ملتفتا اليّ وقال : املي بأنه ستتاح لنا الفرصة يوما ما بترجمة احد كتبك الفرنسية الى اللغة السريانية . كتابك الذي يحمل عنوان ـ ملحمة دجلة والفرات ـ  لأنه يهمنا  هذا الكتاب بصورة خاصة . فأجبته سيكون من دواعي سروري .
بعد ذلك  اهداني بعض الكتب وشكرته على التفاتته هذه .

اعدادية متميزة في دهوك

لم يكن بوسعي المرور في دهوك دون زيارة الاعدادية الفرنسية التي اختصر قصتها كالتالي :
قبل حوالي خمس عشرة سنة اعلن امير موناكو ريني ، عن رغبته في تأسيس مركز في دهوك لتنشئة الطفولة والشباب . هذا
المشروع المناط الى المطران ربان ، مطران العمادية المشهود له بنشاطه ، نضج شيئا فشيئا وانتهى الامر بتأسيس مدرسة فرنسية للمرحلة
الاعدادية .  فقامت السلطات الكردية وبمؤازرة اهالي دهوك بتخصيص الارض لبناء المدرسة ، بوشر بالبناء وأنجزت المدرسة وبدأ التدريس فيها . التقيت بالسيد وحيد مدير المدرسة وهو مسلم كردي مثقف ذو فكر منفتح وروح انسانية .
قال لي : ان مؤسستنا الحديثة والجميلة تضم اليوم 280 طالبا  ، بنين وبنات يتمتعون بمستوى علمي عالي . تستهدف المدرسة تنشئة كوادر
 للبلد ينتمون الى كافة الاديان والمذاهب من  الكرد والكلدو آشوريين وأرمن ويزيديين . والتعليم هنا مجاني .
قال لي السيد وحيد بان للمدرسة اساتذة اكفاء ، والفرنسية من ضمن اللغات التي تعلمها المدرسة . تعليم السريانية اجباري للجميع، في البداية كان معظم الطلاب من الكلدو آشوريين ولكنه بعد ذلك  انضم اليهم عدد من الارمن والكرد الراغبين بتعلم هذه اللغة الرائعة التي يرقى تأريخها الى اكثر من الفي سنة .
في ختام زيارتي ، توجّهتُ بنظاري الى مبنى كان على قيد التنفيذ ، فقال لي السيد وحيد بأنه سيكون القسم الداخلي المكون من خمسين غرفة مجهزة بكافة وسائل الراحة وبأجهزة كومبيوتر، السكن سيكون مجانا ايضا ،  وبالإضافة الى ذلك هناك مطعم مع قاعة للمحاضرات .
كان الجو حارا فدعاني وحيد الى غرفته لشرب قليل من المرطبات . حينذاك رن هاتفه النقال وكان المتحدث المطران ربان القس الذي اعتذر عن عدم تمكنه لقائي . لم يكن على دراية مسبّقة بزيارتي لأنه كان في العمادية و كرّر لي في هذه المناسبة شكره الجزيل لمئات الكتب التي اهداها وفدنا القادم من باريس الى مكتبة المدرسه الحديثة .

هيزيل : مركز زاخو الاجتماعي والثقافي

قصدتُ زاخو لقضاء بعض الايام فيها ، انها مدينة جذابة. يربو عدد نفوسها على   180000  نسمة ، وتقع عل ضفاف الخابور على بعد 40 كيلومترا، شمالي غربي دهوك عند الحدود التركية . سكانها من الاكراد والكلدان والأرمن . زاخو قضاء مسقط رأسي لان قريتي سناط تابعة لها .
تذكرت هنا الاب كامبانيل الدومنيكي الايطالي ، المبعوث الرسولي  عام 1810 الى بلاد ما بين النهرين وكردستان والذي احبّ زاخو وكتب عنها ما يلي :
من بين كل المدن سيّئة الحظ في بهدينان ، تبقى زاخو أجمل المدن وأبهاها . انها تقع على منحدر خفيف وتشكل جزيرة محاطة بنهر الخابور
 الذي ، بعد زاخو بقليل ، يصبّ في نهر الهيزل . انها واقعة وسط منخفض جميل تحيطها تلال مكسوّة جميعها بالعشب الاخضر الذي يرسم لها آفاقا لطيفة وعذبة. والحدائق الصغيرة التي تحيط بها تزيدها مرحا وبهجة . انها مدينة غنية ومركز تجارة يؤموها التجار من كل حدب وصوب في كردستان ووادي الرافدين ، حيث يتم تبادل السلع وبيع وشراء البضائع العديدة والمتنوعة.
منتجاتها هي : العفص الذي يعتبر من اجود الانواع في كردستان ، والرز وشمع النحل والعسل والسمسم والزيت والسماق والزبيب والعسل ومختلف الفواكه .  هناك ايضا مناجم شهيرة لاستخراج السلفاة . (جيوزيبي كامبانيل ، تاريخ كردستان الذي نقله الى
الفرنسية الاب توما بوا) .


بالرغم من مرور قرنين  على تلك الزيارة، استطاعت زاخو ان تحافظ على جاذبيتها وحيويتها . حال وصولي هناك ذهبت لتفقّد الجسر الحجري القديم ، جسر دلال الشهير الذي يعود تاريخه ربما الى عصر الرومانيين . رأيت الجسر في حالة يرثى لها و يحتاج الى ترميم سريع . فاتصلت بواسطة الهاتف النقال بالسيد كنعان مفتي ، مدير الاثار في كردستان ونبّهته لخطورة الموقف واحتمال انهيار الجسر . وعدني السيد مفتي باتخاذ الاجراءات من اجل اصلاحه .
 بعد بضعة ايام من الاستراحة مع  الاهل والأصدقاء ، ذهبت في زيارة مفاجئة للمركز الاجتماعي والثقافي الواقع وسط المدينة
 قرب مطرانية الكلدان ، انه مركز الهيزل.
حال وصولي طلبتُ القاء  بالمدير، فاستغربت لرؤية السيد امير كوكا ، صديق طفولة وشباب وهو يتوجه نحوي ، صديق لم التق به منذ زمن بعيد .كان قد تقدم في السن مثلي وابيضّ شعره جزئيا ولكنه بقي على حيويته ونشاطه .
قال لي : انا مسرور برؤيتك لأنك قدمت اخيرا الى البلد بعد هذه السنين الطويلة . جلس بجانبي على الاريكة وبدأنا نستعيد ذكريات الماضي
ونتبادل الاحاديث والنكات عن المنطقة بلغتنا الام ، السورث .
قلت له : كلمني عن نشاطاتكم الثقافية والاجتماعية ، لقد سمعت بكل ما هو حسن عن مركزكم منذ قدومي الى زاخو .
اجابني : ان المركز هو مؤسسة انسانية يستخدم ثلاثة وثمانين موظفا وعامل .
على الصعيد الاجتماعي والإنساني هناك حاجة كبيرة ، يراجع مستوصف المركز اشخاص كثيرون طلبا لعلاج وللادوية . العلاج
مجاني مع الادوية ، والمركز يدفع مساعدات مادية ومخصصات شهرية لـ 912 عائلة مسيحية مهاجرة قامدة من الموصل وبغداد و570 عائلة محتاجة اخرى في منطقة زاخو .
على الصعيد الثقافي ، يصدر المركز مجلة عالية المستوي تحت اسم "الهيزل" باللغتين الكردية والعربية. انها تتيح للكتّاب والفنانين في زاخو وفي المنطقة المساهمة في عملية دراسة وإحياء التراث . وناولني من مكتبه العدد الاول من المجلة  . فتحتها ، ويا لدهشتي عندما ابصرت على ظهر الغلاف صورة قديمة لقريتي سناط مسقط رأسي ، انه موقف مؤثر .
قلت له مبتسما : اقدم لك ألف شكر من قبل سناط وأبنائها .
وتابع امير كوكا قائلا :
في مجال الثقافة ايضا  ، هناك فريق مكلف بتشغيل محطة راديو تبث بالسريانية والكردية والعربية والارمنية ، من الساعة الثامنة
 والنصف صباحا ولغاية التاسعة والنصف مساء .وبوسع المتابع سماع الاخبار والموسيقى والأغاني .وهناك فريق آخر يهتم بتدريب الشباب على الكمبيوتر، اذ لديه في زاخو والضواحي خمسة مواقع اخرى مجهزة بأجهزة الكومبيوتر وتتوفر فيها خدمة الانترنيت .
ثم كلمني امير كوكا باندفاع شديد واهتمام خاص عن مشروع عزيز على قلبه ، ألا وهو اعادة بناء القرى المسيحية التي هدمها النظام
البعثي و محاها عن الوجود ، مثل فيشخابور وديربون وباجدة وقرولاّ وشرانش ودشتتاخ وغيرها . قد تم انجاز 650 دارا مجهزة بالماء
 والكهرباء و250  أخرى كانت قيد التنفيذ . وعمر ثماني مدرسة وهناك احدى عشرة صالة ستفتح ابوابها في تلك القرى الجديدة ، اما الكنائس فشأن اعادة بنائها كان من اختصاص المطرانية .

اخذتني الدهشة لحجم العمل وسألته فيما اذا لم تكن هذه الحيطان ضيّقة عليهم وعلى مركزهم .
اجابني : فعلا ان المركز ولنا رغبة في شراء قطعة ارض عند مدخل المدينة لبناء مركز كبير يسع لكافة نشاطاتنا الثقافية والاجتماعية.
حكومة اقليم كردستان برئاسة نجيرفان  بارزاني ووزير المالية والاقتصاد سركيس اغاجان مستمرون بتمويل كافة مشاريعنا .
تأخر الوقت بنا ، فغادرت مودعا صديقي ومكررا لهم الثناء على نشاط مركزهم .

الان وبعد عدتي الى باريس ، عاد الى مخيلتي كل ما رأيت في اقليم كردستان العراق فيتولّد الامل في قلبي .
وها اني استعيد في ذهني زيارتي للمراكز الثقافية المختلفة في كردستان ولؤلئك للأشخاص الذين التقيت بهم والحوار الذي دارت بيني وبين بعض المسؤولين في المنطقة ، شعرت بان هناك بداية نهضة ثقافة للشعب الكلداني السرياني الاشوري و للغته السريانية . لقد  لمحت  وشاهدت بعض علامات من هذه  النهضة .
املي كبير بأنه سيأتي اليوم الذي نرى فيه تأسيس جامعة سريانية تكلل فرحة الاجيال القادمة . اليس لي  الحق في ان احلم ؟

 *************************************************************

1

رحلتي عام 2005 إلى العراق، بعد 25 سنة
 د. أفرام يوسف 
كنت أحد المشاركين في المؤتمر الدولي المعنون (الديمقراطية في الشرق الاوسط) والمقام في شمال العراق، وكانت وزارة الثقافة لإقليم كوردستان قد نظمته بتعاون مع المعهد الثقافي الكوردي في باريس. بدات رحلتي إلى العراق مع أعضاء الوفد المشارك في المؤتمر على متن إحدى طائرات الخطوط الجوية الكردية من فرانكفورت/ المانيا،  وكان رقم الرحلة 776 إلى مدينة أربيل الواقعة في شمال العراق.
استغرقت الرحلة أربعة ساعات ونصف إلى مدينة أربيل الواقعة في سهل خصب واسع، وتقع على بعد 350 كيلومتر من بغداد، يحدها من طرق الشمال الزاب الكبير احد روافد نهر دجلة ومن الجهة الغربية مدن دهوك وزاخو.
وصلنا في الصباح الباكر إلى أربيل وكانت السماء مشرقة صافية، استقبلتنا الزهور الجميلة المتنوعة في المطار والتي اختلطت بجمال وبراءة الاطفال التي حملتها وقدمتها لنا ترحيبا بنا.
عند خروجنا من ألطائرة حيث استقبلنا رسميا من قبل وزير الثقافة (السيد سامي شورش) الذي دعانا إلى قدح من الشاي مع البقلاوة في صالة الاستقبال في مطار أربيل. بعدها اتجهنا بموكب رسمي إلى فندق الشيراتون، الذي افتتح عام 2004 ، للاستراحة من عناء ألسفر والفندق كان محاطا بجدار من الخرسانة الكونكريتية للدواعي الامنية. 
شعرت وكأن ذكريات الماضي قد عادت إلى رأسي، لم استطع النوم بل بقيت ممدا في سريري. فقد كنت متأثرا جدا، لأنه هذه المرة الأولى منذ 25 سنة تطأ قدماي أرض بلدي العراق.
 و بدأت أتذكر تأريخ  مدينة اربيل العريق الذي يعود بنا إلى حوالي 5000 سنة قبل الميلاد. الكتابات السومرية كانت تشير اليها باسم (اربيللوم)، أما في الالواح الطينية الآشورية والبابلية فقد كانت تعرف باسم (أربا إيللو) أي ما معناه الآلهة الاربعة. وقد كان لها معبد مشهور ومهم للآلهة عشتار. وقد عاصرت جميع العواصم الآشورية القديمة.
 واتت شهيرة المدينة أيضا من انه هنا، هزّم في معركة اربيلا الاسكندر المقدوني في عام 331 قبل الميلاد ملك الفارسي (داريوش الثالث) وانتصر عليه.
 وحسب التقليد الموروث، في القرن الثاني الميلادي دخلت المسيحية إلى المدينة وفي القرن الرابع اصبحت أسقفية.
عام 642 ميلادية احتل المسلمون العرب المدينة. وذكر المؤخرون العرب اهمية قلعتها الشهيرة. وعام 1258 غزا المغول المدينة، وبعدهم جاء السلجوقيون والفرس الصفويون ومن ثم العثمانيون للسيطرة على المدينة.
وفي شهر تشرين الثاني من عام 1918 دخل الجيش البريطاني مدينة أربيل واحتلها وأصبحت فيما بعد جزءا من العراق. 
واليوم هي عاصمة لإقليم كردستان وهي تسمى من قبل الكورد باسم (هه ولير)  وفيها مقر للبرلمان ويحكمها السيد مسعود البارزاني.
في عصر يوم الجمعة ، تمكنت من استغلال وقت الفراغ المتاح لي لزيارة قلعة أربيل مع أعضاء الوفد وبصحبة المدير العام للآثار السيد كنعان المفتي.  بنيت هذه القلعة بالأحجار على تلة مرتفعة بحوالي 30 مترا وتعود مراحلها الأولى إلى حوالي 6000 قبل الميلاد ولها شكل دائري وتحتوي على آثار قديمة، لكنها لم تخضع لاعمال التنقيب بشكل كامل. 
وتسكنها حوالي 800 عائلة، وهي موزعة إلى ثلاثة احياء ، وأغلب دورها البالغ عددها 506 مهدمة، ولكن أعيد ترميم بعضها بطريقة فنية معمارية. ومن النظرة الاولى فان المرء يلاحظ السلالم والشرفات والأبواب المنقوشة والنوافذ الزجاجية الملونة والسقوف الجميلة ذات الهندسة الفتانة والشرفات الجميلة ذات الاعمدة الرخامية والفناء الصغير المزروع بالأشجار. المتحف القلعة يضم سجادا قيما جدا, استمتعت بزيارته. 
 وقد افتتح فيها مؤخرا مركز الفنون الفرنسي تحت اسم(ارثر رامو) ويديره السيد (ماثيو سانت ديزاير) والمنزل الذي افتتح فيه المركز يعود إلى الفترة العثمانية وهو جميل، ولكن ينقصه بعض المعدات والأجهزة اللازمة للعمل. 
 وبينما كنا نتمشى في طرقات القلعة، مررنا أمام مسجد بارز تعلوه قبة مزخرفة، بعدها زرنا بناية الحمام من العهد العثماني وهي بمحاذاة الجامع.
 إن قلعة اربيل أثرية ورائعة وهامة جدا، و تستحق أن تُسجل كتراث للإنسانية في سجلات اليونسكو لغرض صيانتها وأعمارها في اسرع وقت، إذ أصبح من الضرورات للمحافظة عليها والاهتمام بها.
نزلتُ بعد ذلك إلى مدينة أربيل التي بُنيت حول القلعة، وإلى الغرب من القلعة توجد مئذنة شهيرة تنسب إلى الامير مظفرالدين كوكبوري 1232 ميلادية وهي مبنية بالحجر والجبس ومقامة على قاعدة ثمانية الأضلاع وطولها يرتفع إلى علو 21.5 مترا، لكن للأسف راس المنارة  قد سقط منها. 
بعدها ذهبتُ إلى السوق القديم الواقع في مركز المدينة، الذي يحتوي على محلات تجارية معظمها من الخشب وأقواس يعود تأريخها إلى القرن التاسع عشر، وقسمن منها في حالة سيئة تحتاج إلى تجديد وصيانة. يباع في محلاتها الذهب والسجاد الفاخر والأقمشة والمنتوجات اليدوية الصنع، وهناك أيضا  في بعض أقسام السوق تباع الألبان والجبن والعسل والتبغ.
بعد ان غادرتُ السوق اتجهت نحو المكتبات، حيث يوجد العديد منها في هذا الحي، وتعرض مختلف الكتب بلغات عديدة. اشتريت عدة كتب منها بالكوردية والأخرى بالعربية.
وبعد ان حل المساء ذهبتُ وبيدي الكتب لأتعشى في احد المطاعم المبني بطريقة عصرية وطلبت الكباب الاربيلي  الشهير في جميع انحاء العراق مع كاس من اللبن.
انعقد يومي السبت والأحد مؤتمر (الديمقراطية في الشرق الاوسط) في بناية البرلمان الكوردستاني، انها بناء حديث . وكان أعضاء الوفد من الأساتذة والبرلمانيين ومدراء معاهد ثقافية، القوا كلمات حكيمة في هذا المحفل. وقد اتفق جميع المتحدثين على ان أساس الدول الحديثة هو النظام الديمقراطي، والديمقراطية لا تزدهر بدونالديمقراطيين ن
 شاركتُ بمحاضرة عنوانها (من مدينة ـ دولة إلى  دولة ديمقراطية). تكلمت فيها عن دويلات المدن الأولى التي أسسها أبناء وادي الرافدين في الألف الرابع قبل الميلاد في عهد السومريين، وهم أيضا أول من أسسوا بعدئذ إمبراطوريات تحكمها النصوص القانونية  كزمن المشرع الملك حمورابي. وتطرقت أيضا على بداية الديمقراطية في أثينا، مع ذكر للثورة الفرنسية من حيث انها أدخلت الحداثة والأفكار الديمقراطية بإعلانها ان جميع الناس احرار ومتساويين في الحقوق و الواجبات. وبعدها أنهيت محاضرتي بملاحظة عن مصير العراق في الوقت الحالي مع الأمل بان تزدهر الديمقراطية فيه.
في يوم الاثنين ذهبتُ إلى جامعة صلاح الدين ، التقيت هنالك بالأساتذة والطلبة ،و ألقيت محاضرة عن ترجمة ونقل الفلسفة اليونانية إلى العربية بجهود الفلاسفة السريان ، حيث كان الطلبة متلهفين للمعرفة والتعلم مما أثر فيّ جدا هذا الاهتمام. وبعد المحاضرة اتى بعضهم لمناقشتي على النقاط التي مر ذكرها في المحاضرة ليحصلوا على المزيد من التفاصيل عنها.
في المساء استقبلت في الفندق صديق الطفولة من عنكاوا، القس سليم برادوستي، ، حيث اتى لدعوتي لزيارة عنكاوا، المدينة الكلدانية ذات النفوس البالغة 20000 نسمة، والواقعة قرب أربيل، و فرحت جدا بهذا اللقاء . 
 عنكاوا مدينة مزدهرة وإيجار العقارات السكنية فيها مرتفع جدا، إلى حد اثار دهشتي كثيراً. 
رايت فيها العديد من المنازل الجميلة. وفي شارع رئيسي هناك  كنيسة مار يوسف  إحدى كنائس عنكاوا، التي بنيت في العام 1978 بتصميم بابلي تأريخي، و بجوارها دار أسقفية أبرشية أربيل.
 وبهذه المناسبة قمت بزيارة الى محطة تلفزيون عشتار،  فوجدتها عمارة فخمة محاطة بحديقة جميلة والتقيت بمديرها النشيط السيد جورج منصور مدير المحطة التي كانت قد بدأت بثها التجريبي قبل فترة قصيرة، انها موجهة للشعب الاشوري الكلداني السرياني ولكل العراقيين. 
رافقني مديرها إلى زيارة بغض اقسام الفضائية والتعرف على كوادرها والعاملين فيها. ووجدت بان الغالبية لهم خبرة ومهارة في الحقل التلفزيوني.
 وبهذه المناسبة قمنا بتسجيل برنامجا باللغة العربية حول كتاباتي ودراساتي في تأريخ  شعبنا وتاريخ العراق القديم وأهمية تقوية العلاقات والروابط بين شعبنا وبين العرب والكورد والتركمان. شعرت بفرح كبير بعد زيارتي لفضائية عشتار. وفي عين المساء التقيت بالوزير يونان هوزايا في داره ودار بيننا حوار حول التاريخ والتراث.
وفي اليوم التالي جاء الى الفندق أخي (بريخا ابو سلام) الذي كان قد حضر توا من استراليا ، أخذني بسيارته الخاصة
 إلى زاخو مباشرة، وهي مدينة تقع على بعد 120 كم عن الموصل، وتبعد بحدود 40 كم إلى الشمال الغربي من مدينة دهوك، وعلى الحدود التركية، انها تقع على نهر الخابور وتتبع لمحافظة دهوك.
وصلنا إلى زاخو ليلا، شاهدت مدخل المدينة مزينا بأشجار النخيل الصناعية، المدينة كانت مضاءة بطريقة جميلة ، وبالصدفة كان التيار الكهربائي غير مقطوع على غير العادة. 
وكم كنت سعيدا بلقائي مرة ثانية بخالي (قتو) وهو بصحة جيدة، علما انه بلغ من العمر 95 سنة، والذي احتضنني وعيناه غارقتان بالدموع من فرحة اللقاء، واخبرني بان ابن خالي بطرس حنا، اسقف زاخو، قد غادر إلى اوربا.
في فجر يوم الخميس خرجت مبكرا لأتمشى في زاخو والتي كانت صغيرة في العام  1956 حينما شاهدتها مع والدي يوسف، لكنها الان اصبحت مركزا تجاريا مهما ويسكنها بحدود 250000 نسمة من الكورد والكلدان والأرمن. بصراحة لم اتمكن من معرفة ملامح المدينة القديمة، تلك التي عرفتها سابقا. لقد تغيرت كل خصائصها. 
الفنادق والمطاعم والمنازل المحاطة بالأشجار والفيلات ظاهرة للعيان. شاهدت لأول مرة في الحدائق زاخو اشجار البرتقال المزروعة التي لم تكن تزرع سابقا، هناك اطباق لاستقبال المحطات الفضائية.
اقيم في الشارع الرئيسي تمثال كبير للسياسي المعروف (صلاح اليوسفي) الذي كان صديق نضال للمرحوم مصطفى  البار زاني، وتمشيت في شارع مزدحم حيث شاهدت الفاكهة الموسمية في واجهات المحلات، اخترت رمانة جميلة وقشرتها بسكينة صغيرة كانت في جيبي، تناولت بعض حبات الرمان الحمراء وبسرعة شديدة غمرتني الذكريات وأخذتني من الحاضر إلى الماضي، الى عهد طفولتي في قريتي سناط.
كنت اذهب من حين لآخر مع والدي إلى زاخو، لانه كان ينقل البضائعة التجارية منها واليها، ويا للعجب الخان" سرحان" القديم والتعيس  الذي كنا ننزل فيه حينذاك لم يعد له وجود وحل محله فندق حديث. 
عبرت الجسر ووصلت إلى ساحة جميلة خُصصت للقائد الكوردي (عيسى سوار) وكانت تزينها الازهار متنوعة. وفي مناسبات عديدة  وللسنوات 1968-1973 التقيتُ بهذا الرجل الذي كان الساعد الأيمن للبارزاني في كل قضاء زاخو، وكان قائدا محنكا وحاميا للمسيحيين والمسلمين في تلك الأوقات الصعبة.
واثناء شروق الشمس، ذهبت لزيارة الأراضي المزروعة بأشجار الحور والبساتين الفاخرة، حيث تنتشر هذه البساتين على طول ضفاف نهر الخابور الذي يحوط بالمدينة.
مررت بجسر دلال، وهو جسر قديم مشهور مبني بالحجارة على شكل قناطر فوق الخابور، وعندما كان عمري 12 سنة، كنت اذهب مع اصدقائي للسباحة في مياه النهر الصافية التي تمر من تحت هذا الجسر. لكن وللأسف الشديد، فان جسر دلال اصبح الان بحالة سيئة والأحجار تتساقط منه، وهو بحاجة إلى الصيانة بشكل سريع وفوري. وقد تأسفت كثيرا لوجود  عدة حانات حديثة بقرب منالجسر الاثري القديم  الذي لا زال رمزا أبديا لهذه المدينة.
 استكملت جولتي في الأطراف الغربية للمدينة،  شعرت بسعادة كبيرة عندما شاهدت أعمال البناء والإنشاء لجامعة زاخو المستقبلية. قد بدأت فعلا، ويسير العمل بخطى متسارعة ومتقدمة في كلية الاداب و كلية التجارية، و تمنيت أن آتي يوما واحضر افتتاح هذا الصرح العلمي وغمرني شعور بالفخر.

الطريق الرئيسي في المنطقة، هو ذاك الذي يسير باتجاه حدود تركيا ويربط زاخو واقليم كوردستان بجمهورية بتركيا، و رايت طوابير وقوافل الشاحنات المتجهة نحو الحدود والمحملة بالمواد الغذائية ومواد البناء وصهاريج الوقود. ازدهار مدينة زاخو ناتج من حركة النقل الكبيرة هذه وكذلك من الادارة الجيدة للسلطات المحلية.
يوم الجمعة باكرا وبعد ان عبرت سلسلة من الجبال وصلت إلى دشـتتاخ، وهي تجمع سكاني صغير بني بمسافة تقل عن عشرة كيلومتر عن قريتي (سناط) مسقط رأسي. لقد تفاجاتُ لرؤية لوحة معدنية كبيرة تعلن عن كون المنطقة تخضع لحملة اعمار كبيرة يعود الفضل فيها إلى العناية الكبيرة للسيد رئيس مجلس وزراء الاقليم (السيد نيجرفان البارزاني) وبرعاية نائب رئيس مجلس الوزارء ووزير الملية (السيد سركيس اغاجان). تتكون اعمال البناء  من وحدات سكنية حديثة. 
اجل، شاهدت 20 بيتا جديدا في المراحل الأخيرة من البناء في قرية دشتتاخ التابعة لأهل سناط. كانت السلطات البعثية السابقة، قد رحلّت وابعدت من هذه المنطقة  الكثير من العوائل المسيحية في العام 1976وهدّمت عدة قري مسيحية  مثل سناط ودشتتاخ، امرا، يردا، الانش، بهنونة، شرانش،            سطفلاني، بهيري وشرانش. والآن يقيم قسم من سكان هذه القرى في زاخو وقد ونزح آخرون إلى الموصل وبغداد.
و علمت من مصادر مختلفة انه وصلت اكثر من 3500  عائلة مسيحية إلى إقليم كوردستان قادمة من بصرة ومن  بغداد ومن الموصل ويرغبون الان بالعودة إلى قراهم الأصلية ليعيشوا بحرية واحترام وسلام في ارض آبائهم قرب هذه الجبال الرائعة. اجل لقد دكّت وقت ذاك اكثر من 182 قرية كلدو اشورية مسيحية  ورحّل سكانها من إقليم كوردستان على يد النظام السابق.
وخلال تنقلي في الاقليم شاهدت مراراً هذه اللوحة الكبيرة التي تكلمت عنها سابقا والتي تمنح الأمل عند مدخل العديد من القرى المسيحية مثل فيشخابور وديربون وقراوللا وليفو وشرانش وغيرها. وهذا الأمل هو بداية أعمارها مجددا.
  نظرت من دشتتاخ على الضفة الثانية من نهر هيزل الذي يمر من أمام القرية،  واستطعت ان أمّيز نقطة عسكرية تركية محاطة بالأسلاك الشائكة لمنع تسلل الاشخاص من العراق، عبر النهر، إلى تركيا، والجنود الاتراك يراقبون الحدود ليلا ونهارا.
لم اتمكن من الوصول إلى قريتي سناط، في عمق الجبل الشامخ، حيث ولدت، إذ لم يكن هنالك طريق صالح للسير اليها، لأنه للوصول اليها يتوجب السير على الاقدام  لمدة ثلاث ساعات في طرق وعرة ولأسباب امنية ايضا. كنت مشتاقا بشدة ان ارى اثار منزل اجدادي المتروك منذ اكثر من 30 عاما. أخذتني حضرة شديدة لكن ما الآمل؟ الّفت كتابين تخليدا لذكراها "عطور الصبا في سناط وأزمنة في بلاد الرافدين". 
وبعد عودتي من دشتتاخ إلى زاخو انتابني الحنين إلى سناط  مجددا، ولكن السيد نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الاقليم (السيد سركيس اغاجان)، وعدني انه  ربما بحلول ربيع عام 2006 ستبدا اعمال الاعمار في قريتي سناط والقرى المجاورة لها وفتح الطريق اليها وكلي أمل أن يتحقق ذالك.
يوم السبت ذهبت إلى مدينة دهوك، المدينة الواقعة بين قمم الجبال (بيخير وشندوخا). 
 زرتها للمرة الاولى عام 1960 كانت مدينة بسيطة وهادئة  لا يسكنها سوى 80000 نسمة اما اليوم فقد وصل تعداد سكانها إلى 800000 نسمة. وفي المدينة تعدد ديني ، حيث يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليزيديون. 
دهوك تفتخر بمساجدها الجميلة وبمتاحفها وبجامعتها. وقد قام أمير دولة موناكو ببناء مدرسة خاصة في دهوك للطلبة المسيحين والمسلمين واليزيديون بإشراف اسقف العمادية إنها مبادرة جيدة.
أعجبتني وادهشتني الفيلات الرائعة والمزينة بالمرمر المنية حديثا. الطبقة المتوسطة هنا تتمتع بالمستوى المعيشي الجيد، لان الأعمال والتجارة والسياحة تسير وتتقدم بصورة ملحوظة.  المزارع التي كانت تحيط بالمدينة بدأت تصغر نتيجة تقدم و تطور الأحياء السكنية، وعلى التلة الاقعة في الغرب من الدينة، توجد أقدم كنيسة في المنطقة، يعود تأريخها إلى القرن السادس الميلادي وهي مكرسة لـ(مار ايثالاها).
ولسوء الحظ لم اتمكن من الذهاب إلى قرية معلتاي التي تبعد بحدود 7كم عن دهوك لكي أتلذذ بمشاهدة المنحوتات الآشورية الشهيرة المنحوة على الصخر المجاور للقرية.
وفي عطلة نهاية الاسبوع التي امضيتها مع اخي بريخا توجهت إلى زاويتة الجميلة بغاباتها الصنوبرية. زرت بعدها  قرية اينشكي، المصيف السياحي المشهور ببساتينه وكهوفه، و توقفت في الموقع السياحي الشتوي المتميز، سرسنك، تلك المدينة المزدانة بأشجار الحور والسرو الجميلة وينابيع المياه.
وفي مصيف سولاف اعجبتني مياه العيون التي تجري منحدرة كشلال  من الجبال. وعلى بعد خمسة كيلومترات من سولاف تقع العمادية، المدينة الرائعة الواقعة على ارتفاع 1400 م والمحاطة بالقمم الجبلية المغطاة بالثلوج. الكتابات الآشورية القديمة في عهد الملك شمسي اداد الخامس 823ـ811  قبل الميلاد  تسمي هذه المدينة  آماة. اكتشفتُ ابوابها التأريخية، اهمها باب الموصل وباب زيبار المزينان منذ القدم. ما بين عام 1700-1842 كانت عاصمة شهيرة لإمارة بهدينان الكوردية، والتي كانت تحكمها عائلة مير سيف الدين العريقة. أما اليوم فإنها أصبحت قضاء للمنطقة ومقرا الأسقفية الكلدانية ،المدينة هي تشبه قلعة.
استمتعتُ بهوائه النقي والغير ألمغبر كما هو الحال في أربيل، وتمشيت في شوارعها الضيقة محاطة بمنازل حجرية متينة. وفي وسط المدينة توجد منارة ارتفاعها 30م زاهية الشكل.
  لم اجد في العمادية مكانا للمكتبات، يجب ان بث حب اقتناء الكتب وقراءتها ونشر الثقافة لغرض التطور والتقدم، فالسلع الاستهلاكية والكمالية لا تكفي لسد حاجة الانسان واغناء فكره وروحه.
وبكل أسف، قسم كبير من  المواطنين لا يبدي في مدن وقرى الاقليم الاهتمام الكافي بالطبيعة وبجمالها. رايتُ في اماكن عديدة الاوراق الممزقة والأكياس والقناني مرمية أرضا والنفايات تشوه المناظر الطبيعية الخلابة الجميلة، اتمنى ان يعطي الناس الاهتمام الكافي لحمية الطبيعة الجميلة  الخاصة بالاقليم.


بعد ذلك عدت إلى أربيل ثانية  بطريق جبلي يمر من خلال  شيخان (عين سفني)، تلك المدينة التي تقطنها اغلبية ايزيدية ويعيش معها المسلمون والمسيحيون. وبعد 14 كم من المدينة يمكن للمرء ان يرى معبد لالش، الاثر التأريخي القديم للديانة الايزيدية الذي يضم قبر الشيخ عدي وصالات للحجاج يعود تأريخها إلى قرون عديدة. 
لقد حان أوان العودة، استمتعت فعلا بزيارتي الى بلدي، وخلال تلك الايام شعرت بالأمان لان عناصر البيشمركة، المنضمين للجيش العراقي، كانوا يحافظون على النظام في جميع المنطقة ويقومون بتفتيش الركاب والسيارات في الطرق ويوفرون الامان للمنطقة.
المسيحيون في الاقليم من الاشوريين و الكلدان و السريان، يريدون العيش هناك وينعموا الآن  بالاستقرار والامان دون خوف من الهجمات والاختطافات او السيارات المفخخة اليومية، كما يحدث في بصرة و بغداد والموصل.
في الليلة الاخيرة، زارني في الفندق صحفيان لتلفزيون أشور وجرت مقابلة معي حول تراثنا ودور الفلاسفة السريان وترجماتهم من الفلسفة الإغريقية إلى السريانية والى العربية، وحول المؤرخين السريان الأحد عشر الذين كتبوا لنا تأريخ الشرق الأوسط من  القرون الثاني الميلادي إلى القرن الرابع عشر الميلادي وهو موضوع احد مؤلفاتي. وشكرتهم على هذه المبادرة وتمنيت لهذه القناة الخير والازدهار.
بعد ذالك استقبلتُ السيدة سوريا ايشو (باسكال وردة) رئيسة اتحاد النساء الاشوري ووزيرة شؤون الهجرة والمهجرين وتحدثنا في أمور العراق ومستقبل البلد.
وخلال الليل قبل اقلاع الطائرة، حدثت عاصفة قوية وأمطرت السماء وأبرقت وأرعدت، ذكّرتني بضجيج  الحياة التي ينتظرني عند عودتي إلى باريس. 
وفي المطار، شكرت اخي عن الأيام الماضية التي اصبح فيها مرشدا متطوعا لي. صعدنا بعدها إلى الطائرة التي اعادتني إلى فرانكفورت حاملا معي تنهداتي و حنين. ايعقل ان انتظر 25 سنة لزيارة الوطن و لأسير في دروب وطني ثانية ! اتمنى أن أرى العراق قريبا مزدهراً وديمقراطياً وحراً ومنفتحاً على العالم و يبقى متعلقاً بحضارة مابين النهرين الخالدة * ة