الصحافة والاعلام



الفلاسفة والمترجمون السريان
تأليف: أفرام عيسى يوسف 

    ترجمة:  شمعون كوسا
 
الناشر: مؤسسة المدى

مراجعة: فريدة الأنصاري
تاريخ 28  سبتمبر 2013
 
منذ  العصور القديمة وحتى اليوم عاشت على ضفاف نهري دجلة والفرات أقوام، لبناء  حضارة نفخر بها، فاكتشفوا الزراعة،وبنوا المدن،وأسسوا علم الفلك،ودونوا  القوانين،وترجموا العلوم من اللغة الاغريقية. وكان السريان احدى تلك  الأقوام التي اسهمت في بناء هذا الصرح الحضاري

 في هذا الكتاب المعنون"الفلاسفة والمترجمون السريان"يقدم المؤلف السيد افرام عيسى يوسف سيرة فلاسفة ومترجمين سريان شاركوا في بناء هذه الحضارة عبر ترجمتهم العديد من الكتب اليونانية، ووضع لمساتهم 
الإنسانية عليها

 قسم الكتاب الى ستة اقسام في تسعة وعشرين فصلاً،متبعاً التسلسل الزمني للحوادث، ومعتمدا على عددٍ كبيرٍ من المراجع والمصادر.ولتعريف القارئ بأصول السريان ولغتهم وأهمية مدنهم بحث في دورهم الحضاري 
في المقدمة قدم لمحة عن اصول السريان وانقسامهم إلى طوائف وهم:النساطرة الذين استقروا في بلاد ما بين النهرين وإيران واليعقوبيين" الغربيون"الذين سكنوا في سوريا وشمال العراق إضافة الى الموارنة الذين سكنوا في لبنان. وكان لمدنهم(الرها ونصيبين وحران ومرو وجند يسابور) دوراً مهماً في نشر الثقافة والعلم إضافة إلى 

وانها مراكز مهمة  لتعليم الفلسفة وعلوم المنطق  
    ويمضي المؤلف على مدى تسعة وعشرين فصلاً بتعقب مسيرتهم  الحضارية، فيؤكد على دور الرهبان والكهنة
والأساقفة الحضاري في القرون الميلادية ألأولى مثل: مارا وبرديصان وابنه هرمونيوس ويروبا الحكيم وسيرجيوس وغيرهم ممن كرسوا حياتهم لنشر الحكمة والإصرار على العمل والصبر على المآسي. فالحكمة وفق منظورهم الفلسفي الإغريقي هي مصدر الأعمال الخيرة، والكنز الذي لا ينضب محتواه،  ومصير الإنسان لا يمكن ان تحدده القوى الخارقة، بل الانسان هو الذي يحدد مصيره بنفسه،ويبني مستقبله نحو الطريق الأفضل، بغض النظر عن القيود الخارجية
 وفي هذا السياق يؤكد بأن بحوث السريان الفلسفية ضمت في الكثير من محتواها فلسفة لاهوتية تمجد الإنسان وحريته وجمال روحه وعظمته،وأنهم قد تأثروا بأفكار افلاطون وأرسطو فأسسوا المدارس التي فتحت ابوابها أمام تلاميذ الدراسة والبحوث لطلب المعرفة، لتكون الدواء الشافي للجهل الذي وسم البعض من بني البشر. ومن تلك المدارس التي يشير اليها المؤلف مدرسة دير قوني"في الضفة الشرقية من نهر دجلة"ومدرسة سلوقية وغيرها من المدارس التي بنيت على ضفاف دجلة والفرات وسوريا
 ولو انتقلنا إلى العصور الإسلامية لرأينا المؤلف يزودنا بتراجم كثيرة لفلاسفة ومترجمين سريان برزوا في عهد الدولة الأموية، وفي عهد الدولة العباسية. فهذه الفترة تمثل انطلاقة فلسفية جديدة برزت بصورة خاصة في العهد العباسي الأول. الذي اتسم بروح التسامح وأكد على الروح العلمية والكفاءة.فشغل هؤلاء الكثير من المناصب المهمة والحساسة في الدولة، وفي بلاط الخلفاء،  وأصبح الكثير منهم اطباء الخلفاء الخاصين. وفي هذا الصدد يشير إلى قيام الخليفة العباسي المنصور بإرسال دعوة إلى الطبيب جرجيس بن بختيشوع - الذي كان يعمل مديراً لمدرسة "جند يسابور"  لكي يعمل في بغداد بصفة طبيب الخليفة
 وفي هذا الصدد يشير إلى تشجيع الخلفاء العباسيين للترجمة بحيث أدى إلى زيادة اعداد العلماء زيادة كبيرة،فبلغ عدد المترجمين في بغداد فقط خمسين مترجماً سريانياً مواصلين العمل الذي بدأه اجدادهم الفلاسفة، فأنجزوا الخلاصات الفكرية والشروحات الفلسفية واللاهوتية، فترجم ابو بشر متي بن يونس كتاب أرسطو"الحكمة المموهة"إلى اللغة السريانية.وترجم كتاب"البرهان"لأرسطو عن النسخة السريانية لإسحق بن حنين، ونقل قسما من كتاب السماء لأرسطو الذي يبحث في حركات الأجسام السماوية والأرضية .أعطى أبو بشر مكانة الصدارة في بغداد إلى دراسة الفلسفة الأرسطوطالية مستنداً على شروحات الإسكندر الأفرويسي وثيميستيوس، فترجم إلى العربية شرح الأسكندر الأفروديسي لكتاب الولادة والانحلال لأرسطو. ويمضي المؤلف بتتبع سيرة المترجمين السريان في عهد الخلفاء العباسيين الأوائل وخاصة في عهد الخليفة المأمون الذي اشتهر بحبه للعلم والعلماء، فيبين كيف عمل هؤلاء المبدعون بهدوء وسلام، وكيف عرفت الكنيسة النسطورية في تلك الفترة الاستقرار والازدهار
 ومن خلال سيرتهم التي يلقي المؤلف الضوء ليبين اهتمامهم المتزايد بالفلك والفيزياء والميتافيزيقية وفن البلاغة، حيث استخدموا المنطق لشرح المفاهيم الفلسفية واللاهوتية فهي من وجهة نظرهم كما يشير المؤلف الأداة التي تحتاجها العلوم. وبالنسبة للطب فقد ربطوا بينه و بين والفلسفة، فالطب يعالج جسم الإنسان في حين تهدف الفلسفة تجميل فكره وتزيين نفسه
 غير أن هذا الإشعاع الحضاري أنطفأ بمجيء المغول، ليسود مبدأ العنف والهمجية ويأخذ السريان نصيبهم من ذلك العنف فيتعرض مسيحيو آسيا الوسطى وبلاد فارس إلى ضربة قاسية تتراجع على أثر ذلك الكنيسة النسطورية لتنحسر في المناطق الواقعة بين بحيرات وان وروميا ويتمركز السريان في مناطق الموصل وكركوك وأربيل وجبال كردستان
 ويمضي المؤلف بتتبع مسيرة الفلاسفة والمترجمين السريان في العهود اللاحقة. ليختم الكتاب بالإشارة إلى هجرة 

العديد من السريان في الفترة الأخيرة إلى بلاد المهجر كالولايات المتحدة وكندا واستراليا وبلدان أخرى في قارة اوربا

 سبتمبر      2013   



سريان يؤرخون للحملات الصليبية

الحملات الصليبية كما يرويها المؤرخون السريان» 
إفرام عيسى يوسف «دار الطليعة» - بيروت 2010

كانوا مراقبين لها ولم يشاركوا في وقائعها وأحداثها

بيروت: سمير شمس 
موضوع الحملات الصليبية التي هزت المنطقة منذ تسعة قرون، لا يزال طازجا، ويفرض نفسه على الأحداث المعاصرة في هذه الفترة المضطربة التي تكاد تتماثل فيها الصراعات أسبابا ونتائج.
فمنذ أن كتب أمين معلوف كتابه «الحروب الصليبية كما رآها العرب» عام 1989، لفت النظر إلى النظرة المدرسية التي يروج لها الغرب لهذه الحروب وبداياتها وغاياتها، فما كان متفرقا عند عدد من المؤرخين الغربيين الذين جاهروا بعدم صليبية الحرب أو أي أهداف دينية لها، جمعه أمين معلوف في مؤلفه ليكمل طريقا لإدانة هذه الحروب المليئة بالدماء والمجازر والأهوال، بدأه مؤلفون غربيون كبار مثل فولتير خاصة أن الكتاب كتب بالفرنسية في الأصل.
فالكتب المدرسية في الغرب ما زالت تغذي الذاكرة بالتقوى والواجب الديني لتحرير القدس، وتخلع على «غوديفروا دوبويون» هالة من القدسية والتقوى والفروسية، فيرسخ في مخيلة الطالب ما لهذا الرجل من فضل يلهب الأحاسيس ويرفع المعنويات، ويؤجج الذاكرة لتستعيد فضيلة تحرير القدس، وتمجد أبطالا اندفعوا تحت راية الصليب من أجل قضية دينية نبيلة.
ما يسعى إليه المؤلف هو إظهار جانب آخر لهذه الحملات، وهو المنظور الذي قدمه المؤرخون السريان للحملات الصليبية، الذي تميز في رأي الكاتب بقدر من الموضوعية نظرا لحيادية السريان في هذه الحروب فكانوا لها مراقبين ولم يشاركوا في وقائعها وأحداثها.
لقد عاش المؤرخون السريان، أمثال ميخائيل السرياني، والمؤرخ الرهاوي المجهول، وابن العبري، في تلك الفترة، وتطرقوا في كتاباتهم إلى مغامرة الصليبيين، التي أثرت على المسلمين وعرضت حضارتهم إلى مخاطر مختلفة، ومست أيضا المسيحيين السريان أنفسهم، وأثرت سلبا على حياتهم.
إن نصوص هؤلاء المؤرخين غير معروفة من قبل الكثيرين من عامة القراء، وهي في أغلب الأحيان غير مطبوعة أصلا، لذلك رأى المؤلف أن يعطي القارئ المعاصر فكرة أخرى عن هذا الموضوع المهم.
عاش السريان في المشرق وفي قلب الإمبراطوريات الكبرى، على أراض ضربتها رياح الحروب العاتية. وعلى امتداد العصور تعرضوا إلى غزوات متعددة؛ موجة إثر موجة، من غزوات الإغريق والرومان والفرس والسلاجقة الأتراك إلى هجمات المغول. وانقسموا في القرن الخامس الميلادي إلى فرعين هما: السريان الشرقيون الذين أطلقت عليهم تسمية «النساطرة» الذين عاشوا في بلاد ما بين النهرين وإيران، والسريان الغربيون المعروفون بـ«اليعاقبة» الذين استقروا في سورية وأعالي ما بين النهرين، ومنهم الموارنة في لبنان.
لم يكن السريان يعرفون الشيء الكثير عن الفرنجة القادمين من أوروبا الغربية البعيدة، حينما اجتاح هؤلاء في نهاية القرن الحادي عشر للميلاد شواطئ سورية وفلسطين، مصممين على محاربة المسلمين بحجة تحرير قبر المسيح في القدس.
رسم المؤرخون السريان الذين كانوا يعيشون في معسكرين متصارعين على امتداد صفحاتهم لوحات عرضوا من خلالها صور قادة الجبهتين، فكما صوروا بوهيمند وتانكريد وبودوان ولويس التاسع ملك فرنسا وريكاردوس ملك إنكلترا، صوروا نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي والملك العادل والملك الكامل، وقدموا من خلال هذه الصور قراءة مختلفة لفها الإهمال. وفي الوقت الذي دونوا فيه وقائع محاولات المسلمين لدحر قوات الفرنجة ونجاحاتهم وانتصاراتهم، دونوا هزائم الأتراك السلاجقة والأرتقيين وغيرهم، ولم يهملوا الإشارة إلى التحالف بين ملوك القدس والبارونات مع بعض الأمراء المسلمين.
كما روى المؤرخون السريان أيضا الأحوال اليومية للمقاطعات والمدن المتألقة، مثل القدس وكنيسة قبر المسيح ومسجد الخليفة عمر، ومدينة عكا التي كانت تمتلئ بالبضائع الغنية بكل أنواعها وأشكالها، وصور بمينائها الواسع، ودمشق بجامعها الأموي وبالأسلحة المعدة للدفاع عنها وبمختلف أنواع صابونها، وطرابلس بقلعتها الحصينة، وأنطاكية بأسوارها المنيعة وبجمال أنسجتها الحريرية، ومدينة حلب وقلعتها، ومدينة الرها ومدرستها وأديرتها جوهرة السريان، والموصل بمسجدها المائل ونسيج قماشها «الموسلين» الذي أقيم معرض لأنواعه وفنونه عام 1250م. في مقاطعة بافاريا الألمانية.
ينفرد ابن العبري، كما يقول المؤلف، بوصف الأحداث التي صاحبت وصول المغول ومواجهة مماليك مصر لهم، وأرخ عن الفرنجة الذين استطاعوا النجاة من الهزيمة وكيف تمكنوا من الهرب باتجاه البحر من معركة دموية هائلة كانت في مصلحة المسلمين وشكلت محطة تاريخية أنهت ذلك الحلم الإقطاعي المتمثل في الوصول إلى الشرق والتشبث فيه للبقاء على الأراضي المقدسة بقاء استمر لمدة بلغت مائتي عام.
يلفت المؤلف إلى أن المؤرخين السريان لم يكرسوا كتبا تاريخية خاصة بالحملات الصليبية، كما لم يستعملوا في تواريخهم مفردات «الحملات الصليبية» أو «الصليبيون» بل استخدموا تعبيرات ومصطلحات «رحلات» وتحدثوا عن «هجرات» الفرنجة أو «أسفار» ما وراء البحار. ولم يقوموا بذكر عدد هذه الحملات. بل دونوا الأحداث من وجهة نظر تختلف عن المصطلح المعروف بالصراع بين الشرق والغرب. فقد كان الشرق وفق التعريف الذي أعاد استعماله المؤرخ ميخائيل السرياني بعد بطريرك أنطاكية «ديونوسيوس التلحمري» يعني المناطق الواقعة شرق نهر الفرات، بينما كان يعني بالنسبة للفرنجة من حدود فلسطين لغاية غرب الفرات.
كما يلفت المؤلف إلى أن المؤرخين السريان قاموا بإعداد تسلسل زمني لنقل الأحداث ضمن سياق تقويم خاص بهم، فكانوا يستعملون التقويم السرياني الذي بدأ استعماله في الأول من شهر تشرين الأول (أكتوبر) عام 312 قبل الميلاد، والمعروف أيضا بالتقويم اليوناني «للتعبير عن لون أفكارهم وبذرة استدلالهم» كأحفاد لبلاد ما بين النهرين.
المؤرخون السريان الثلاثة الذين اعتمد عليهم المؤلف فأورد مقاطع وافرة من كتبهم ليولف تاريخا متكاملا للحروب الصليبية هم:
ميخائيل السرياني (1126 - 1199م). كان ابنا لأحد الكهنة، ولد في ملطية التي كانت تابعة لأرمينيا الصغرى. استولى البيزنطيون على هذه المدينة من العرب عام 931م. واستعادها الأمراء الأتراك المسلمون عام 1101م.
دخل دير «برصوم» للسريان الغربيين ورُسم قسا، ثم أصبح رئيسا للدير فبطريركا سنة 1166م. زار أنطاكية التي كانت خاضعة للصليبيين عام 1168، كما زار القدس حيث لقي معاملة لائقة. وأعاد الزيارة عام 1177م. والتقى في عكا بملك القدس بودوان الرابع. توفي في دير مار برصوم عام 1199 وقد ناهز الثالثة والسبعين.
وضع ميخائيل مؤلفات دينية عديدة، وكتاب التاريخ الذي عالج أمورا تمتد من بدء الخليقة ولغاية سنة 1195. يتألف الكتاب من واحد وعشرين مجلدا، وتبدأ الأخبار المتعلقة بالحملات الصليبية من الكتاب الخامس عشر - الفصل السابع.
عاش ميخائيل السرياني في عصر الحملات الصليبية الأولى. وزار أماكن كثيرة من التي غزاها الصليبيون، ومن موقعه الديني صور أحزان ومعاناة السريان الذين يعيشون في المناطق المحاذية للإمبراطوريات والممالك المتحاربة، فقدم صورة حية رسمها بحساسية يمكن أن تشكل مساهمة في قراءة تاريخ الحروب الصليبية.
المؤرخ الرهاوي المجهول: ترك لنا مؤرخ سرياني آخر غير معروف أخبارا مفصلة عن الحملات الصليبية الأولى، يظهر هذا الرجل ككاتب ماهر، وتفصيلي عندما يتعلق الأمر بمدينته «الرها». ومن المؤكد وفق تاريخه أنه عاصر الأحداث التي جرت بين عامي 1187 - 1237. وقد كان موجودا في مدينة القدس عندما حاصرها صلاح الدين عام 1187م. فقدم للقارئ معلومات ثمينة عن الأيوبيين ومواقعهم مع الصليبيين.
ينقسم كتابه «التاريخ» إلى قسمين: القسم المدني الذي يغطي فترة تاريخية تمتد حتى سنة 1237م. لم يصل إلينا منه إلا حتى سنة 1234. أما القسم الثاني، فيسرد الحوادث التاريخية للكنيسة ويروي تاريخ البطاركة السريان الغربيين. وينتهي هذا القسم الذي بترت أجزاء من نصه عام 1204م.
يبحث الرهاوي، كما يرى المؤلف، عن حقيقة الأحداث والوقائع في سرد ومعالجة هذه الأحداث باعتباره مؤرخا لها وليس طرفا فيدقق في المعلومات، فتعددت لديه الروايات للحادثة الواحدة التي لم يشاهدها بأم العين، ويقيم الوقائع التي عاصرها وكان شاهدا عليها.
ابن العبري (1226 - 1286م): ظهرت عند السريان شخصية مهمة أكملت سرد أخبار الحملات الصليبية وقدمت عرضا للوقائع التاريخية في القرن الثالث عشر للميلاد. ولد أبو الفرج جمال الدين، الابن الرابع للطبيب هارون سنة 1226، وقد أطلق عليه لقب ابن العبري نظرا لولادته في قرية «عبرى» الواقعة على نهر الفرات.
انكب ابن العبري على الدراسة منذ صغره، وفي سن السابعة عشرة من عمره رأى الغزو المغولي لملطية ونهبها وإبادة معظم سكانها، فسجل تلك المآسي وسير هذه الأحداث المأسوية التي كان شاهدها العيني.
وحدث أن سقط «ياسور» القائد المغولي مريضا وقام الطبيب هارون بمعالجته وتمكن من شفائه، واعترافا بجميله، سمح هذا القائد لهارون وعائلته بالهجرة إلى أنطاكيا. وهكذا تابع ابن العبري دراساته في المواضيع الدينية والفلسفية والطب والبلاغة والنحو، وقام بكثير من الأسفار قاصدا المكتبات ودور العلم، وأقام ببغداد وتتلمذ على أمهر النحويين وعلماء اللغة مما أكسبه معرفة معجمية واسعة.
كتب ابن العبري بالعربية والسريانية في مجال الفلسفة واللاهوت والتاريخ وقد وصلتنا جميعا. ومن أهم كتبه «تاريخ الزمان» الذي كتبه بالعربية واختصره في كتاب سماه «مختصر تاريخ الدول». وراجع المخطوطات المحفوظة في مكتبة «مراغة» الكبيرة. وقد ذكر في مقدمة الكتاب بأنه قد سد في كتابه هذا ثغرات الكتب السابقة له.
يشتمل الكتاب، إضافة للسرد التاريخي، على تراجم لحياة ملوك وقادة وأطباء وفلاسفة وعلماء، وتحدو الكاتب المعرفة وحب العلم لإنجاز مهمته، وهو الذي لم يتوقف على امتداد حياته عن القراءة والكتابة.
يؤكد المؤلف وهو يعيد ترتيب الحملات الصليبية وفق الكتب السريانية الآنفة، أن الحملات الصليبية لم تؤد إلى أي إنجاز، بل جلبت البؤس ونشرت سوء التفاهم بين الشعوب. لكن الأحداث أتاحت لهم أن يلعبوا دورا سياسيا في الشرق، ولم يترددوا في اختيار تحالفات سياسية مع أمراء مسلمين، كما أنهم لم يستطيعوا التأثير في السريان الذي كانوا متعودين منذ عصور طويلة على العيش وسط المحيط المسلم، فلم يظهروا موقفا متشددا للمسلمين ولا موقفا منحازا للفرنجة.
لقد حان الوقت لمراجعة مؤلفات هؤلاء المؤرخين وغيرهم ممن ألفوا في الملل والأديان الأخرى، وإغناء الذاكرة بما طمسه الخصوم كل من جهته، بحثا عن لقاء واضح مع التاريخ من وجهات نظر متعددة ومختلفة.
جرية الشرق الاوسط الندنية
الاحد 27 مارس 2011 
العدد 11807 




غالبيتهم كانوا من رجال الدين النساطرة فطغى فكرهم الديني على اختياراتهم
السريان قادوا قطار الترجمة الى اللغة العربية
الكتاب: الفلاسفة والمترجمون السريان
تاريخ النشر: الخميس 13 يناير 2011
حلمي النمنم

لعب المترجمون السريان دوراً مهماً في الثقافة العربية والاسلامية، فقد تحملوا عبء ترجمة الاعمال البارزة في الفلسفة الاغريقية الى اللغة العربية، وكان العرب قد فتحوا بلاد ما بين النهرين، ووجدوا فيها بلداً منظماً تنظيماً جيداً على مستوى الديانة المسيحية، فهناك اسقف في كل مدينة من المدن الكبيرة مثل اربيل ونصيبين وكركوك وتكريت والحيرة وغيرها، ويقف الاسقف على رأس ابرشية تضم عددا كبيرا من الناطقين باللغة السريانية.

ويقول مؤلف كتاب
“الفلاسفة والمترجمون السريان” إن العرب المتسامحين هم الذين اطلقوا على المسيحيين تسمية “السريان” وقد رحب هؤلاء السريان على الارجح بقدوم العرب، آملين التخلص من التشدد البيزنطي والساساني، وخضعوا برضا للدولة الجديدة.
 وكان هناك شاهد على الفتح العربي لهذه البلاد هو “ساويرا” الذي ولد في نهاية القرن السادس الميلادي بمدينة نصيبين، مدينة الالف حديقة، ودرس في دير قنشرين أو قنسرين بمدرسته ذات الصبغة الاغريقية، وكان مهتما بالفلك وقياس الزمن وتحديد موقع الكواكب والشمس والقمر، وترجم بعض الكتب الاغريقية الى السريانية، وقد شاهد الفتح العربي وبدأ الاحتكاك بالعرب القادمين الجدد الى بلاده، ولم يعقه وصولهم عن الترجمة ومواصلة كتاباته العلمية واللاهوتية. وجاء بعده جرجيس اسقف العرب الذي ترجم بعض كتب ارسطو الى السريانية مثل “المقولات” و”العبارة” و”البرهان”، وطوال العصر الاموي واصل هؤلاء المترجمون نقل الاعمال اليونانية والساسانية الى لغتهم السريانية، وقرب نهاية العصر الاموي كان هؤلاء قد تعلموا العربية وأتقنوها ولذا شرعوا في نقل بعض هذه الاعمال المترجمة الى السريانية الى العربية لينهل الفلاسفة العرب ويتعلموا فلسفة اليونان وفكرهم

النقلة الكبرى

حدثت النقلة الكبرى في العصر العباسي بعد ان شيد الخليفة المنصور مدينة بغداد عام 762 ميلادية. كان المنصور محبا لعلم الكيمياء والفلك والفلسفة، ورغم تشدده احيانا تجاه المسيحيين والمسلمين على السواء إلا أنه كان في المجمل معتدلا، وقد وجد المسيحيون مكانا بارزا في حاشية الخلفاء العباسيين، ولعبوا نتيجة لثقافتهم العالية وكفاءتهم المتميزة ادوارا شغلوا فيها مناصب مهمة كأطباء وامناء السر، ونالوا ارفع المكافآت من الخلفاء وحققوا ثروات طائلة، وكان معظمهم من السريان، وأحيانا كان بعض العرب يحسدونهم على ذلك.

وبدأ الخليفة المنصور خلال فترة حكمه تدشين عملية الترجمة الى العربية وقام بتوظيف المترجمين في حاشيته. ومع الوقت تصبح هذه المهنة وظيفة رسمية من وظائف البلاط، لكن كان يعوق المترجمين والترجمة نقص الكتب اليونانية وغيرها، لذا وجدنا الخليفة يرسل بعثة الى مدينة القسطنطينية برسالة منه الى الامبراطور البيزنطي راجيا فيها تزويده بعدد من الكتب اليونانية، واستجاب الامبراطور فطلب الخليفة من المترجمين نقلها الى العربية على الفور.

ورصد عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته تفاصيل بداية عملية الترجمة الى العربية وأسماء المترجمين الذين قاموا بها. وذهب ابن خلدون الى ان العرب منذ ان تبنوا ثقافة حضرية أبدوا الرغبة في الاطلاع على العلوم الفلسفية التي سمعوا بها من
الاساقفة والكهنة، وقال إن الامبراطور البيزنطي بعث الى المنصور بكتاب اقليدس وبعض كتب الرياضيات والفيزياء. وترتب على ذلك ازدياد عدد العلماء والمترجمين قبل نهاية القرن الثامن الميلادي وبلغ عدد المترجمين في بغداد خمسين مترجما سريانيا، واصلوا الجهد الذي كان قد بدأه سرجيوس وبروبا في انجاز الخلاصات الفكرية والشروح الفلسفية، فضلا عن وضع قاموس للمصطلحات المترجمة، وهكذا قدم “سلام الابرش” الكاتب السرياني وترجم كتاب الطبيعة لأرسطو الى العربية، وأصبح الماروني “تيوفيلوس الرهاوي” فلكيا لدى الخليفة المهدي، ونقل الياذة هوميروس والأوديسة الى اللغة السريانية، كما ترجم ايضا احد كتب ارسطو.

وزودنا ابن جلجل في كتابه طبقات الانباء والحكماء بقائمة ضمت اسماء هؤلاء المترجمين والكتب التي نقلوها الى السريانية ثم الى العربية. وفعل ابن النديم الشيء نفسه، حيث وضع في كتابه
“الفهرست” قائمة ببيلوجرافية بأسماء الكتاب والمترجمين السريان الذين كانوا يتقنون العربية، وبفضل هؤلاء نقلت بعض كتب افلاطون الى العربية ومن بينها “الجمهورية” و”نصيحة لتربية الشباب” و”الميتافيزيقا” و”الكون والفساد” و”فن الشعر.

مدارس المترجمين

هؤلاء المترجمون انحدروا من عدة مدارس خاصة بهم، اشهرها
مدرسة “الرها” وتمثلت في نرساس الذي كان يتأمل الافكار وكان مشغولا بالكتب المقدسة، وهناك مدرسة “نصيبين” والتي نجحت في ان تقدم لخلفاء بني العباس عددا من الاطباء والفلاسفة اضاءوا بغداد، وهذه المدرسة لعبت دورا مهما ومؤثرا في الكنيسة النسطورية بواسطة اساتذتها وطلابها، وظلت هذه المدرسة محتفظة بسمعتها العلمية حتى القرن الثاني عشر الميلادي. وبرزت مدارس فكرية اخرى من اهمها مدرسة “جنديسابور” وسبق للدكتور عبدالرحمن بدوي ان قدم دراسات حول هذه المدارس في بعض ترجماته ودراساته في الفلسفة الاسلامية. وامتد تأثير السريان الى الشرق حيث الهند والصين ووصلوا الى امراء المغول وخاصة هولاكو الذي بنى مرصدا مشهورا على تل مرتفع في مراغا، وكان المؤرخ ابن العبري يرتاد هذا المرصد حين كان يديره الخواجة نصر الدين الطوسي، وكان يلتقي فيه عدد من العلماء انتقل تأثيرهم الى بلاد الغرب حيث الاندلس.

ولا احد يعرف على وجه الدقة اصل السريان ولكن المؤكد انهم من صلب شعوب الشرق القديمة. بعض الباحثين يقول إنهم ورثة الاشوريين القدامى وهناك من يرى انهم احفاد البابليين أو الاراميين الذين استقروا في سوريا القديمة وبلاد ما بين النهرين. والسريان شعب واحد له تاريخه وثقافته ولغته لكنهم في القرن الخامس الميلادي انقسموا ليشكلوا طائفتين: السريان الشرقيين الذين اطلق عليهم اسم "النساطرة" واستقروا في بلاد ما بين النهرين وفارس، وهناك السريان الغربيون أو "اليعاقبة" الذين سكنوا سوريا بشكل اساسي ومناطق الموارنة في لبنان

المؤلف افرام يوسف سرياني الاصل، عراقي مهاجر الى فرنسا منذ عام 1974 وهو يكتب عن اجداده بإعجاب شديد لا ينكره احد عليه، لكن ذلك لم يتح له طرح اسئلة مهمة عن طبيعة اختياراتهم في الترجمة، فمعظم المترجمين السريان كانوا غالبا من رجال الدين النساطرة ولذا فإن فكرهم الديني طغى على اختياراتهم، فقد اختاروا ارسطو وافلاطون، مثلاً، بينما تجاهلوا سقراط لأن فكره كان مختلفا، وقد اثرت هذه الاختيارات على الثقافة العربية والإسلامية، وكان ذلك الامر يستحق تساؤلاً وتوقفا من الباحث ليحدد ما تكشف عنه هذه الاختيارات. على كل حال هذه الدراسة تفتح الباب لمزيد من الدراسات والتأملات الاخرى حول هذا الموضوع لأن الافكار التي ترجموها بناء على اختياراتهم تدخلت في تكوين بعض المواقف والاجتهادات الفقهية، بل ووصل بعضها الى علوم تفسير القرآن الكريم

الكتاب: الفلاسفة والمترجمون السريان
المؤلف: افرام يوسف
ترجمة: شمعون كوسا
 الناشر: المركز القومي المصري للترجمة

********************************************************************* 




كتاب: الفلاسفة والمترجمون السريان
تأليف : أفرام عيسى يوسف
ترجمة : شمعون كوسا
دار النشر: المدى، سوريا عام 2009

قدمت بلاد الرافدين للحضارة الإنسانية هبات عديدة من حضاراتها المتوالية على مر العصور ولعبت دورا بل وأدوارا متعددة على صعيد رفد الحضارات المختلفة بإنتاجات أبنائها في كافة مجالات الحياة. كيف لا وهي الأرض التي ولدت في بطونها الكتابة والمعرفة وسنت على صلصال أطيانها القوانين والأنظمة ونشأت على وديانها وسهولها فنون القصة والشعر واكتشاف أسرار الحياة وعلوم الفلك منذ بدء الخليقة ؟
والسريان الذين شكلوا ويشكلون مكونا عريقا من مكونات بلاد الرافدين، بتاريخهم وثقافتهم ولغتهم، والذين ولدوا مع ولادة بلاد الرافدين ونموا مع نموها، ساهموا، ومنذ بداية التاريخ في نشر حضارة هذه البلاد، وتركوا شواهد هامة على حضارة صنعها علمائهم ومفكريهم وقدموا الخدمات إلى الحضارات الأخرى بجهودهم المتواصلة.
انطلاقا من هذه الحقيقة التاريخية، قدم الأستاذ المقيم في فرنسا والمدرس في أكثر من جامعة فرنسية، أفرام عيسى يوسف في كتابه الأخير الذي صدرت ترجمته العربية "الفلاسفة والمترجمون السريان" عن دار المدى، من قبل السيد شمعون كوسا، مجموعة من علماء وفلاسفة ومترجمي السريان الذين جسدوا على مدى العصور أفكارا إنسانية افتخرت ولا بد أن تفتخر بها حضارة بلاد الرافدين، أفكارا خرجت إلى النور عبر مؤلفات علماء وفلاسفة مثل : مارا وبرديصان وهيباس وبروبا وسرجيوس ونرساي وأحودميه وحنين بن إسحاق وإسحاق بن حنين ويحيى بن عدي ومتى بن يونس وابن العبري وكثير من العلماء والفلاسفة المعروفين منهم والمغمورين بحسب معرفتنا بهم.
يستعرض الكتاب حياة وأفكار هذه الكوكبة من العلماء والفلاسفة والمفكرين والمترجمين السريان الذين ولدوا على أرض بلاد الرافدين والذين كما يقول عنهم بأنهم " فتحوا صفحات المؤلف المشهور أورغانون لأرسطو، كما لو كانوا يفتحون خزانة من الخشب الثمين، حيث استطاعوا من خلاله نشر عبق عطور الأرض البعيدة المشعة بالعقل الحكيم."
وبالنسبة للحضارة العربية، فإن العلماء السريان وخاصة الفلاسفة والمترجمين منهم، لعبوا دورا وسيطا هاما في نقل لب الحضارة والفلسفة الإغريقية إلى الحضارة العربية التي كانت متعطشة في فترة بدء ازدهارها إلى معرفة علوم وآداب الحضارات الأخرى، سواء خلال حكم الدولة الأموية أو خلال فترة امتداد الدولة العباسية واتساع المعارف فيها، وهو ما كرس الأستاذ أفرام عيسى يوسف حيزا هاما من كتابه للتأكيد عليه ولنقل أبعاده إلى القارئ.
والواقع، فإن العلوم التي كان العلماء والفلاسفة السريان يتمتعون بها بمختلف نواحي الحياة، الفلسفية والعلمية والطبية منها، ومعرفتهم باللغتين الإغريقية واللاتينية إضافة إلى معرفتهم العميقة باللغة العربية وقدراتهم الواسعة في الكتابة بها قد شكلتا الوسيلة الثمينة التي ساهمت في إثراء الحضارة العربية، حيث بحثوا اعتبارا من هاتين اللغتين ومنذ القرن الثاني الميلادي وإلى ما بعد القرن الرابع عشر، القضايا الفلسفية والعلمية والأدبية والفكرية التي سادت خلال هذه الفترة الإنسانية الخصبة وفتحوا بذلك أبواب الفلسفة اليونانية والعلوم على مصراعيها لكافة شعوب الشرق، وخاصة للحضارة العربية منها، من خلال التراجم المختلفة التي أنجزوها للمؤلفات الفلسفية والعلمية الهامة مثل مؤلفات أرسطو وأفلاطون وجالينوس إلى اللغة السريانية ومنها إلى اللغة العربية.
وقد استفاد العلماء والمفكرين والفلاسفة العرب استفادة كبيرة من كتابات المؤلفين السريان سواء الكتابات التي ألفوها باللغة السريانية ثم نقلوها إلى اللغة العربية أو عن طريق نقل المؤلفات الفلسفية والعلمية اليونانية على وجه الخصوص إلى اللغة العربية حيث أنها شكلت همزة وصل بين المؤلفين العرب الذين خرجوا من خلالها من تقوقعهم داخل حضارة تميزت بالشعر خاصة الذي أبدعوا فيه،  إلى حضارة كانت منفتحة على التعمق في مصير الإنسان من جهة وعلى العلوم والطب خاصة، فنهلوا منها ما طاب لهم. ولم يؤدي ذلك فقط إلى ازدهار العلوم الفلسفية والعلمية والطبية بها ومن خلالها في العالم العربي، وإنما أدى أيضا إلى أن تعبر، من خلال الفلاسفة والمؤلفين والعلماء العرب إلى الغرب عن طريق الأندلس وجنوب ايطاليا، الذي استفاد منها وجعل منها نواة لتقدمه اعتبارا من عصر النهضة الذي ارتكز على التعمق في المعارف والخروج من تقوقعه في جهالة القرون الوسطى وأفكارها المتخلفة.
يشكل كتاب "الفلاسفة والمترجمون السريان" هذا أخيرا ضوءا يجدر بنا أن نضعه أمامنا اليوم ونستوعب أبعاده الإنسانية في بلاد الرافدين ، ضوءا يتمثل في ذلك التعايش الأخوي الذي كان سائدا في هذه البلاد في مختلف العصور، حيث كانت مختلف الطوائف فيها تعمل وتتعاون سوية بروح من الإخاء والسلام، بعيدا عن التعصب ورفض الآخر، وهو ما ساد في بلاد الرافدين، وما ويجب أن يسود اليوم في عراق اليوم والغد، عراقنا الذي أثبت التاريخ إنه مهد الحضارة ونورها الأزلي.

فخري العباسي 
صدر المقال في موقع عنكاوا كوا
9 12 2009            


*****************************************************************  


1 

تصفّح كتاب الدكتور أفرام عيسى يوسف وأزمنته السناطية 
بقلم : حبيب تومي / اوسلو
17 / 05 / 2009

الأستاذ سمير زوري الصديق الوفي من القوش الحبيبة ، يعرف ان الهدية اغلاهم عندي هي الكتاب ، فأهداني مشكوراً مجموعة من الكتب من بينها كتاب للدكتور افرام عيسى يوسف ـ والموسوم  " أزمنة في بلاد الرافدين ذكريات وأحداث 1830 - 1976 " وهو من منشورات دار المشرق الثقافية ، ترجمه علي ابراهيم وراجعه فخري العباسي ، طبع سنة 2009 في دهوك ويقع في 254 صفحة.
 
في سبع ساعات من الزمن الثمين كانت رحلتي من ستوكهولم بالسويد الى اوسلو بحافلة النقل ، وكان رفيقي الوفي في هذه الرحلة الكتاب ، فأردت تصفح الكتب التي اهداها لي الصديق زوري ، باشرت بكتاب الدكتور افرام عيسى يوسف ، وبدأت به متصفحاً ولكن ذلك لم يدم طويلاً إذ بدأت أقرأ ، ثم بدأت أعجب بما أقرأ ، وأحب ما أقرأه ، فرافقني الكتاب في رحلتي . ورأيت المنفعة في الكتابة عما قرأته إن كان مؤيداً او ناقدا.
 
مقطع من عنوان الكتاب " أزمنة في بلاد الرافدين " لم يكن متناغماً مع ما ورد في متن الكتاب من أحداث تدور رحى معظمها على لسان الجد او الجدّة او آباء كبار مسنين يحملون ذكريات معظمها يدور حول الأعمال البربرية والانتقامية التي طالت المسيحيين في الأرياف والقرى المبثوثة في تلك الوديان والوهاد والقمم العاصية والمنسية في مفكرة الأزمان المتعاقبة ، فكان ما يقع من الظلم والعدوان والبربرية على هؤلاء الناس يلفه الإهمال والنسيان مع مرور الزمن ، لكن المؤلف الجليل الدكتور افرام عيسى يحاول شحذ الذاكرة وإنارة كهوفها المعتمة لتسليط الأضواء على تلك الزوايا المظلمة من عمر الزمن القاسي على هذا الشعب ، الشعب المسيحي من الكلـــدان والسريان والآثوريين والأرمن.
 
لقد تصفحت الكتاب في البداية كما اسلفت ، واعتقدت ان العنوان " أزمنة في بلاد الرافدين " لم يكن مناسباً مع اسلوب السرد على لسان عدد من كبار السن من الأقارب والجيران في قرية سناط العزيزة   ( أسناخ ) ، وعلى الأقل تولد هذا الانطباع بالنسبة لي شخصياً ، لكن بالعودة الى مقولة في في الصفحة 3 من الكتاب يورد الكاتب على لسان الكساندر سولجنستين يقول:
"في كل عصر ، يعيش على الأرض أناس لا يملكون فن موهبة جلب الاهتمام اليهم ، أناس لا يمتلكون فن تدوين مشاعرهم لمن سيأتي بعدهم ، وإنما يتمتعون بموهبة سرد الذكريات الى الذين يسمعونهم والذين سوف يأتون بعدهم بعشرات السنين."
 
كانت هذه ملاحظة ذكية من الكاتب لكي لا يقع القارئ في مطب التخمينات كما وقعت أنا.
في الحقيقة إن الكاتب الجليل لم يدخر جهداً في التعرض لمختلف المسائل التاريخية واللغوية والتراثية . وغيرها بأسلوب لذيذ ورشيق ،
لقد كتب مواضيعه المتناثرة كباقات ورد تشغل مكانها المناسب في أروقة الغرفة الجميلة.
لكن في محطات كثيرة كان الكاتب مجبراً على المرور على تلك المحطات الجرداء الخالية من المحبة الإنسانية المغمورة في مستنقع الحقد والكراهية والتي كانت تتواتر على المسرح الجغرافي عبر السيرورة الكرونولوجية المتتابعة دون توقف او استراحة لالتقاط الأنفاس.
 
ولج المؤلف الجليل من عالمه البعيد الى ذرى ووهاد وصحاري وسهول وطنه العراقي وسلط مصباحه المضئ على نقطة منسية في هذه الديار حيث كشف ذلك المصباح كهوف قرية سناط الجميلة والتي تخفي في ثناياها هموم وعذابات شعب كان يوماً سيد هذه البلاد.
يشير الكاتب في صفحة 13 الى محطة مهمة في تاريخ الشعب الأصيل لهذه الديار فيقول.
في القرن السابع الميلادي ، شهدت بلاد دجلة والفرات قدوم فرسان الفتوحات الإسلامية وسرعان ما غدا العرب المسلمون سادة هذه الأصقاع وهيئ لأهل الكتاب من اليهود والمسيحيين ان يحتفظوا بثقافتهم ودينهم ولغتهم ، ولكنهم صاروا من أهل الذمة ، مضطرين ، بشكل او بآخر ، القبول بالحماية التي عرضها لهم العرب لقاء دفع الجزية.
نعم كان الفتح الإسلامي هو القشة التي قصمت ظهر البعير ، إذ طفق اهل هذه الديار الأصلاء بين ليلة وضحايا يتحولون من منزلة المواطنين الأصلاء في وطنهم الى اهل الذمة حيث الأحكام الجائرة ، والمؤسف انها مستمرة لحد اليوم بشكل وآخر رغم تنامي لوائح قوانين حقوق الإنسان والتي لا تفرق بين البشر بسبب اللون او الشكل او الدين او الأثنية.

من قريته الجميلة سناط ينطلق المؤلف الى عالم اللغة ، اللغة الآرامية ، لغة الأجداد ، ولا ينسى ان يعرج نحو الانقسامات الكنسية بسبب الجدالات الحامية اللاهوتية حول طبيعة المسيح والأزمات والانقسامات الكنسية ، وهي لا زالت قائمة حتى الساعة.
رأيت ان المؤلف يستخدم تعبير الشعب الكلداني السرياني الآشوري ، وهو مصطلح مستحدث بتأثير الأحزاب القومية الآشورية ، لكنه يوظف هذا المصطلح وكأنه من مصطلحات الحرب العالمية الأولى ، فكان على الكاتب ان يسمي الأشياء بأسمائها ، وكما كانت في ذلك العصر فهو يتكلم في ص 55 عن مصطلح " سفر بلك " والتي تعني التعبئة العامة للحرب الكونية الأولى 1914 ـ 1918 فكما هو معروف فإن معاهدة سيفر التي أبرمت سنة 1920 استخدمت لفظة منح الحقوق القومية للكلدانيين والآشوريين ، ولم يكن ثمة ما يعرف اليوم بالمصطلح الذي اخترعته الأحزاب الآشورية حول شعب اسمه كلدان سريان آشوريين ، فلا يوجد في الخارطة الأثنوغرافية لشعوب العالم لاسم مركب كالاسم المطروح والذي يعمل على دفن اسماءنا التاريخية الجميلة في غياهب الخيال والعبثية.
 
في محطات كثيرة يشير المؤلف الجليل الى معاناة السكان في قرية سناط وفي قرى أخرى فيقول ص 92 في اعقاب تأسيس الدولة العراقية في العشرينات من القرن الماضي بدأ اشخاص من القبائل الكردية المتمرسين بالنهب يرتكبون عدداً من اعمال السطو فارضين شريعة الغاب في بداية القرن العشرين ، كان النهب والقتل ما يزالان يكدّران العيش والحياة في القرى المسيحية.
 
والكاتب في نفس السياق يشير الى الصيف الدامي في فيشخابور سنة 1933 والتي كانت جزء من احداث سميل الدامية يقول الكاتب ص 104
وصلنا زاخو ، توجهنا الى حي كيستا ، حيث تتكاثر في أرجائه دكاكين التجار الكلدان والأرمن ... سألنا ما الأمر ؟

كان الجوابخلال ليلة الرابع والخامس من آب اندلعت في منطقة فيشخابور معركة بين الجيش العراقي والآشوريين .. ثم أخذ الجيش العراقي بعد المعركة بالعودة الى ثكناته وارتكب في طريقه متجهاً الى الموصل مجزرة رهيبة في قرى الآشوريين.
إن الأب البير أبونا يشير الى هذه الأحداث بتفصيل ايضاً في كتابه فيشخابور ص111 ـ 126

في التسلسل الزمني يشير الدكتور افرام عيسى يوسف الى حوادث الحرب العالمية الثانية وما لحق بالأقليات الدينية ومنهم اليهود الذين طالهم ما عرف "بالفرهود" من اعمال القتل والاغتيال ومن عمليات الاستيلاء ونهب اموالهم على يد أفراد من الجيش والشرطة وأفراد القبائل العربية .

ثم يعرج المؤلف على الثورة الكردية التي اندلعت عام 1943 على يد القائد الكوردي ملا مصطفى البارزاني وما تلا ذلك من تطور هذه الثورة في مطاوي العقود القادمة ، ويطعم المؤلف كتابه بعدد من القصص الاجتماعية الحية كقصة حاوا وقصة نونا حنا وكثير من قصص الشخصيات الاجتماعية التي كان لها دور في مسيرة هذه القرية التي كانت بمثابة مثال حي موازي للقرى المسيحية الكثيرة المنتشرة في هذه الأصقاع.

وأخيراً لا بد لي ان اقف امام العبارات الوجدانية التي خطها الكاتب في وداع سناط العزيزة ، وهي نابعة من القلب والضمير ، إنها كلمات وداعية ليس الى نسيانها سبيل يقول ص 248
"وداعاً يا سناط ، يا حسناء الشمال ، يا من سحرني سحرها دائماً وأبداً ، ايتها القرية التي غزا جمالك روحي وقلبي سوف أبقى مخلصاً لك حيثما اتوجه" ..ويمضي المؤلف الى القول
"وتوقفت أمي مع ابي لبضعة دقائق .. ولم يملكا أنفسهما إلا وهما يقفان أمام أشجار الحور التي كانا قد غرساها بأيديهما في حقل واسع ، قبل اكثر من ربع قرن عندما احتفلا بزواجهما .. وتودع امي كلمات الوداع" وفي ص 246 يقول:
بدأت أمي وارينا عيسى بزيارة أخيرة لحقول القرية وبساتينها وكأنها تودعها فتجولت بين الأشجار المثمرة واستنشقت أريجها وداعبت بأطراف اناملها جذوعها بخشوع ، وكأنها تلتحق بعالم سرمدي ..انتهت بقطف بضع خيارت طرية وقليلاً من الطماطم الأرجوانية ومثلها من الفلفل الأخضر اللامع والباذنجان المغلف بقشرة مصقولة .. وعادت أمي حزينة الى البيت وكأنها قد فقدت سحنتها الطبيعية من شدة آلامها .. نعم هذه الهجرة هذه هي قلع الجذور ، التهجير من أرض الآباء والأجداد مأساة إنسانية في كل العصور والدهور
وأخيراً أقول ان الكتاب جدير بالقراءة ويعتبر شمعة مضيئة تنير جوانب مهمة من تاريخ شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين في الوطن العراقي العزيز.
 
حبيب تومي / اوسلو في 17 / 05 / 2009

habeebtomi@yahoo.no

*********************************************************************


كتاب: "ملحمة دجلة والفرات"
عدنان حسين احمد
 محاولة لاستنشاق عبق الأيام الغابرة.
  نص روائي يجمع السيرة بالتداعيات وبالتنقيب الايركيولوجي.  
لم ينل كتاب (ملحمة دجلة والفرات) للباحث العراقي د. أفرام عيسي يوسف حقه من الرصد والدراسة والتحليل.
فعلي الرغم من بعض المقالات التي نُشرت هنا وهناك إلا أن هذه (القراءات) لم تكن تخرج عن إطار العروض ألبسيطة والمراجعات السريعة التي تعتمد في بنيتها علي رؤية الكاتب، ومنهجه العلمي الرصين، الأمر الذي أدي إلي غياب الآراء الشخصية للكتاب والنقاد الذين تنالوا هذه (الملحمة) بعروضهم ودراساتهم النقدية. وربما ينطبق هذا الأمر علي الصحف والمجلات الفرنسية التي وصلت إلي استنتاجات وخلاصات وآراء نقدية عامة لعل أبرزها (إن بعض النقاّد عدّه من أهم الكتب التي تناولت حضارة بلاد الرافدين العريقة). وهذا الرأي ينطوي علي تعميم واضح لا يتناسب مع الجهد العلمي والأدبي الذي بذله الدكتور أفرام عيسي، المعروف بموضوعيته ونزاهته الفكرية.

 وبدءاً لا بد من التعريف بالمنجز الفكري الذي قدّمه د. أفرام عيسي، وبأدواته المنهجية، وبأسلوبه الفني الذي يتلاقح فيه العلم بالأدب. فالدكتور أفرام متخصص في (الفلسفة العربية) وقد أعدّ أطروحة الدكتوراه عن (واقع الإنسان عند أبي حامد الغزالي). وقد حصل أيضاً علي درجة الدكتوراه في موضوع (الحضارات القديمة لوادي الرافدين) من جامعة نيس الفرنسية. وبعد تخرجه شغل منصب أستاذ الحضارات القديمة. ثم أصبح مسؤولاً عن قسم الدراسات العربية في جامعة تولوز، كما عُيّن رئيساً لقسم النشر العربي في دار (لارماتان)، وأنيطت به أيضاً مسؤولية القسم النشر العلمي للأبحاث والتأليف في السكرتارية العليا للدول الفرانكوفونية. يعوّل د. أفرام في بحوثه ودراساته الفكرية علي منهج علمي، موضوعي، محايد يستند إلي الأدلة والبراهين العلمية والتاريخية. ومن أهم بحوثه وكتبه التي صدرت حتى الآن هي: عطور الصبا في سناط، بلاد الرافدين، جنة الأيام الخوالي، الفلاسفة والمترجمون السريان من أثينا إلي بغداد، وملحمة دجلة والفرات.

قراءات متعددة

في هذا الكتاب يتداخل المنهج العلمي الأكاديمي بالأسلوب الأدبي الممتع. ويمكن إحالة القارئ الكريم لـ(ملحمة دجلة والفرات) ليكتشف بنفسه كيف صهر المؤلف بين المذكرات والتداعيات والسيرة الذاتية والنفس الروائي وأساليب البحث العلمي، والتنقيب الإيركيولوجي، والدراسات التاريخية المعمقة. فهذا الكتاب تمكن قراءة بعض فصوله كأدب رحلات وأسفار وسيرة ذاتية كما في فصل (التوجه صوب دجلة والفرات) و (اكتشاف السومريين) و(أوروك أرض البدايات) و (بلاد الرافدين، روضة الكتابة). ويمكن قراءة فصول أخري كنصوص سردية قصصية كما في (اضطراب جلجامش) الفصل الذي يحكي عن الملحمة الشهيرة التي تصور انهماك جلجامش في البحث عن نبتة الخلود. أو (نظرات إلي بابل) الفصل الشيّق الذي يسلط الضوء علي حكاية الملكة الميدية آميثيس، حفيدة الملك آسترياج، وزوج نبوخذ نصّر الذي بني لها الجنائن المعلقّة في بابل والتي أعدُها بمثابة المعادل الجغرافي لجبال ميديا وغاباتها. أو منحوتة سيدة أوروك التي سحرت المؤلف مثلما سحرت من قبله الكاتب اندري مالرو الذي قال عنها (إن رأس سيدة أوروك هو قطعة من القطع الأصيلة التي تتحدي الشروح كلها، وتكتفي بفرض نفسها، بل إنها قمة من القمم العبقرية الإبداعية).أو حكاية (أنخدوانا) ابنة سرجون الأول، وهي أول شاعرة رافدية دبجت القصائد والأناشيد التي ما تزال خالدة حتى يومنا هذا.
ويمكن قراءة الكتاب برمته كنص روائي موضوعه الحضارات العراقية القديمة، وأبطاله ملوك وملكات سومر وأكد وبابل وآشور، مكانه العراق القديم، وزمانه يمتد منذ سنة 4500 ق. م حتي نهاية القرن الأول ق. م. أما الراوي العليم فهو المؤلف الذي يشد الرحال من باريس عام 1980 ليجوب في كل المدن العراقية القديمة بدءاً من أوروك، ومروراً بنيبور وأور وبابل وانتهاءً بنينوي. وتمكن قراءته كبحث في بدايات التفكير الفلسفي عن سر الوجود البشري، والقلق الذي ينتاب الإنسان في بحثه المضني عن الملذات الطارئة حيناً أو عن الخلود المعنوي والحقيقي حيناً آخر. لنقرأ ما قالته سيدة الحانة (سيدوري) لجلجامش الذي التقاها عند شاطئ البحر:
"أنتَ /املأ بطنك طعاماً / وأبقَ مرحاً ليل نهار/ وأقم العيد كل يوم / أرقص، وتسلَّ ليل نهار / البس ثيابا نظيفة جيداً / واغتسل / وأنظر بحنو صغيرك الذي يُمسك يدكَ / وحقق سعادة زوجك التي تُعانقك / لأن هذا هو وحده مرام الناس جميعاً".
إن رحلة جلجامش من مدينة أوروك، وركوب المخاطر في الفيافي والبحار من أجل الظفر بنبتة الخلود،والعودة إلي مركز انطلاقه ليس عبثاً لا طائل من ورائه. فهذه الملحمة أو المأساة أو المرثية كما يسميها د. أفرام يمكن قراءتها بطريقة رمزية على أنها رحلة في طموحات الذات البشرية التي لا تتوقف عند. أو أنها وازع نفسي أو فلسفي للتخلص من هاجس الموت الملحاح على كل إنسان في هذه المعمورة. أو أنها اختبار لقدرات الإنسان في مراحل حياته المختلفة. أو أنها بحث عن منابع الحكمة والمعرفة. أو أنها تأكيد (لسيادة الذات) كما ذهب الكاتب الألماني المعروف غوته. ولكنها في النهاية تظل رغبة حقيقية في (إلغاء فكرة الموت). وهذه الرغبة في حقيقة الأمر هي ليست رغبة جلجامش حسب، وإنما هي حلم الناس جميعاً.

باب ـ إيلي

في هذا الكتاب ثمة آراء استنتاجات مهمة جداً لا يمكن إغفالها أو تفاديها أبداً، ولعل أهمها وأبرزها علي الإطلاق هي (أن مسيرة النهضة الحضارية لم تنطلق من اليونان إلي إيطاليا، ثم إلي العرب، بل من اليونان إلي الشرق الأوسط، سوريا ولبنان وبلاد الرافدين، ثم انتقلت إلي الأندلس، ومنه وصلت إلي أوروبا، وساهمت في النهضة الغربية في ما بعد). هذه الخلاصة الفكرية يمكن الرجوع إليها في الحوار الذي أجرته صحيفة (أخبار العرب) مع د. أفرام عيسي، ولكنه مع الأسف لم يذكر التاريخ الذي نُشر فيه هذا الحوار أو عدد الصحيفة كي يمكن الرجوع إليها عند الحاجة.

 يثير الكتاب أيضاً قصة التحاق نائب القنصل الفرنسي، إرنست شوكان دو سارزيك بعمله في البصرة، وقيادته لإحدى عشرة بعثة استكشافية للمناطق المحيطة بمدينة البصرة، وعثوره علي لقي أثرية كثيرة من بينها القطع السبع (لمسلة النسور) وباعها كلها إلي متحف اللوفر في باريس بمبلغ مادي كبير من دون أن يعرف أن أهمية اكتشافه لا تقدّر بثمن علي الإطلاق. (لقد حمل إلي فرنسا، وإلي العالم كله أول اكتشاف عن حضارة مندثرة هي أقدم من حضارتي بابل وآشور اللتين ورثتاها في بعض الجوانب. ولم يذكر هذه الحضارة لا العهد القديم ولا الإغريق). يثير هذا الاكتشاف تساؤلاً خطيراً ومهماً وهو: لماذا لا يذكر العهد القديم أو اليهود المتشددون بعامة ومعهم الإغريق هذه الحضارة؟ هل إن ذكرها يعطّل دورهم التاريخي أو يجعلهم هامشيين في الأقل؟
في هذا الكتاب ثمة طروحات فكرية ولغوية تصحح بعض الأراجيف والأكاذيب التي يشيعها بعض المستشرقين الأوروبيين والمفكرين الغلاة من اليهود الذين يسعون لتشويه الحقائق وقلبها رأساً علي عقب. ويكفي أن نشير هنا إلي نص مكتوب يرويه العهد القديم حيث يقول (إن أحفاد نوح انطلقوا من الشرق، ووصلوا إلي بلاد شنعار) بابل وأرادوا أن يبنوا فيها برجاً عملاقاً يعانق السماء، لكن الإله الخالد أخذته الغيرة من سمّو المشروع، أودي به إلي الإخفاق حين خلط لغات العمال. فما عاد هؤلاء قادرين علي التفاهم، إذ توقفوا عن بناء البرج، وتفرقوا في الأصقاع. ) ص 137
ويضيف سفر التكوين ( لذلك دُعي اسمها بابل، لأن الرب هناك بلْبلَ لسان كل الأرض).
 د. أفرام عيسي يري أن ( أصل لفظة بابل التوراتي والشعبي المرادف لـ(الخلط) خاطئ، لأن اسم بابل لا ينحدر من الكلمة العبرية (بَلْبلَ) التي تعني خلطَ أو مزجَ، بل جاء من باب ـ إيلي، أي باب الإله في اللغة الأكادية، وهو الاسم القديم لبابل. يتساءل د. أفرام قائلاً ( لماذا قلّبَ الكتاب المقدس معني اسم البرج، وانعطف بالتقاليد في الاتجاه المعاكس؟ ولكنه مع الأسف الشديد لم يبحث في الأسباب التي دعت إلي دمغ بابل بهذا المعني المحرف وهو القادر علي ملامسة أسباب هذا التحريف والتشويه المقصودين؟ ولا بد من التنويه إلي أن بعض المستشرقين والمفكرين الأوروبيين كانوا موضوعيين جداً، ولا تأخذهم العواطف الجوفاء، أو التعصب الأعمى الساذج بعيداً عن المنطقة الحيادية المقدسة.
ففي حواراته الصحفية يذكر د. أفرام عدداً المستشرقين الغربيين الذين لعبوا دوراً موضوعياً ونزيهاً من خلال بحوثهم ودراساتهم التي كتبوها عن الحضارات العراقية القديمة نذكر منهم ماسينيون، أندريه ميكيل، وجيرار تريبو وغيرهم.
 في الفصل الأخير من هذا الكتاب القيّم (نفحة بلاد الرافدين) يمكننا تلمس الوازع النفسي الذي يهيمن علي مؤلف الكتاب، فيمضي في حديث هو أقرب إلي التداعي الحر الذي ينطوي علي تساؤلات سرية عن الذات وحركتها الغامضة بين ثنائية الوجود والعدم. إذ يقول (ألم تكن تلك الرحلة إلي بلاد الرافدين، رحلة في أعماق ذاتي لاكتشاف أقاصي روحي؟).

المنحي السردي وتجليات التاريخ

يمكن قراءة هذا الكتاب بوصفه سرداً لأحداث ووقائع تاريخية تمتد منذ مطلع الحضارة السومرية حتي يومنا هذا، هذه الحضارة التي شيدها الشعب السومري المعروف باختراعاته الكثيرة ومنها المحراث، والدولاب، والعربة، ومخرطة الخزف، والقارب الشراعي، كما برع في تقنيات عديدة أخري كالبرشمة، واللحام، والدهان، وصياغة الذهب، وتحبيبه، والترصيع بالأحجار الكريمة. وأبدع في بناء الزقورات والقبب التي زيّنت المدن السومرية، غير أن الاختراع الأكبر هو اختراع الكتابة الذي يعد نقطة تحوّل جذري في بلاد الرافدين في الألف الرابع ق. م.
 
يمدنا هذا الكتاب بمعلومات تاريخية قيّمة عن أغلب ملوك سومر وأكد وبابل وآشور. ويحكي لنا بأسلوب شيّق عن المعارك والوقائع والأيام التي دارت بين الممالك. فعلي سبيل المثال لا الحصر، يصور لنا الكتاب كيف احتل نبوخذ نصر، ملك بابل، أورشليم وسبي أناسها غير مرة. وكيف دارت الدوائر ليطلق سراحهم الملك الفارسي كورش الثاني، ويعيدهم إلي فلسطين ثانية. في الفصل التاسع من هذا الكتاب يسلط الباحث الضوء علي (حمورابي) ويصفه بملك القانون، وهو يستحق هذا اللقب عن جدارة. وعبر أسلوب سردي ممتع يذكرنا المؤلف بأن حمورابي تسنم سدة السلطة منذ عام 1792 إلي عام 1750 ق. م، ويمضي في الحديث عن مآثره المتعددة، لكنه يعرّج علي حين فجأة إلي عام 1901، وهو العام الذي عثر فيه علماء الآثار الفرنسيون علي واحدة من مسلات حمورابي في مدينة (سوس) العيلامية، ونقلوها إلي متحف اللوفر في باريس. ويمضي الباحث في وصفه لتفاصيل هذه المسلة فيبين لنا أن المواد القانونية في مسلة حمورابي قد بلغت ( 282 ) مادة قانونية، مكتوبة بالخط المسماري باللغة الأكدية. وهذه القوانين كانت تنظم الحياة السياسية والاجتماعية للناس آنذاك. وبطبيعة الحال لا نستطيع أن نتوقف عند كل الأحداث والوقائع التاريخية التي يزخر بها الكتاب، ولكننا ارتأينا الإشارة إلي بعضها كعيّنات ونماذج توضّح الجهد العلمي الكبير الذي بذله د. أفرام عيسي في تأليف هذا الكتاب.
وفي الختام ينبغي التنويه إلي الجهد الجهيد الذي بذله د. علي نجيب إبراهيم في ترجمة هذا الكتاب من اللغة الفرنسية إلي العربية بلغة صافية، سلسة، لا وعورة فيها.

جريدة (الزمان) العدد 1342 التاريخ 2002 - 10 - 20/19